كتاب واراء

قراءة تحليلية اسباب التراجع الامريكي التكتيكي ….

 

حسين مرتضى

 

بين أزمة الخروج وفخ التوريط: قراءة في المأزق الأمريكي بالمنطقة

تتشفّف التطورات الأخيرة في المواجهة الأمريكية–الإيرانية عن حقيقة باتت واضحة في أروقة صناعة القرار: غياب الرؤية الاستراتيجية والخطة المتكاملة الكفيلة بتحقيق نصر حاسم. إن تراجع واشنطن المكرر بعد تصعيد اللهجة وفتح جبهات مواجهة واسعة مع طهران لا يعكس مجرد «تكتيك عسكري»، بل يكشف عن مأزق سياسي عميق وضع فيه الرئيس ترامب نفسه؛ حربٌ لا يملك فيها أداة الحسم، ولا يريد أن يُقرّ فيها بالهزيمة، ولا يستطيع الاستمرار في استنزافها.

وفي مقاربة المحطات الاستراتيجية لهذه المواجهة، يمكن تفكيك مسار الأزمة عبر محاور رئيسية تشرح التحولات الجارية في الشطرنج الإقليمي:

أولاً: أزمة الرؤية وتفوق الردع الإيراني

دخلت الإدارة الأمريكية حلبة المواجهة المباشرة دون إعداد خطة خروج محكمة (\bm{Exit\ Strategy}). وبدلاً من تراجع إيران تحت وطأة الضغط المكثف، أظهرت طهران مرونة في التكيّف وقدرة على توجيه رسائل ردع عالية المدى، مما أدى إلى تفوقها في النقاط الاستراتيجية وإحراج الخطاب الأمريكي الذي وجد نفسه أمام خيارات أحلاها مرّ.

ثانياً: الفشل في تدويل الأزمة عبر «الناتو»

سعى الرئيس ترامب خلال الأسابيع الماضية بشكل حثيث إلى إقحام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل مباشر في هذا الصراع، بغية توزيع الأعباء السياسية والعسكرية، وتحميل الحلف جزءاً من فاتورة أي إخفاق محتمل. غير أن الحسابات الحذرة للدول الأوروبية أجهضت هذه المحاولة، ورفضت الانجرار خلف صراع مفتوح لا تتوافر فيه مقومات النجاح.

ثالثاً: الخطة البديلة... نقل العبء إلى المحيط العربي

عقب انسداد المسار الغربي، تحوّلت الاستراتيجية الأمريكية نحو البحث عن «تحالف عربي» بديل تحت مسوغات وذرائع متعددة. والهدف الأساسي من هذه الخطوة هو إزاحة ثقل المواجهة المباشرة عن كاهل واشنطن، وجعل القوى الإقليمية في صدارة المشهد والمواجهة.

رابعاً: المحذور الأكبر... فخ الصراع الطائفي

إن الخطر الحقيقي الكامن في هذه الخطة البديلة يكمن في اندفاع بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، للتصرف كـ «رأس حربة» في هذا التحالف المفترض. إن تحويل المواجهة من صراع سياسي واستراتيجي بين دولة كبرى ودولة إقليمية إلى صراع إقليمي بامتياز، يحمل في طياته دلالات خطيرة؛ إذ يخاطر بجر المنطقة إلى أتون مواجهة مذهبية وطائفية شاملة تأكل الأخضر واليابس وتطال الجميع دون استثناء.

 

إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تؤكد أن الواجب الاستراتيجي على دول المنطقة يكمن في الإدراك المبكر لطبيعة الفخ المنصوب. فالتراجع الأمريكي المتكرر ليس سوى مؤشر على رغبة واشنطن في إلقاء كرة النار في الملعب الإقليمي؛ مما يتطلب حكمة وسياسات تتجنب الانزلاق نحو صراعات بالوكالة تُحقق مآرب الآخرين على حساب أمن المنطقة واستقرارها.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة