كتب/ سعيد فارس السعيد
في الحروب الكبرى، لا تُقرأ الأحداث من خلال البيانات العسكرية وحدها، بل من خلال الرموز السياسية التي تختارها الدول بعناية فائقة. فلكل ظهور، ولكل خطاب، ولكل توقيت، رسائل تتجاوز الكلمات لتصل إلى الداخل والخارج معًا.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الظهور العلني للمرشد والقائد الإيراني الجديد، السيد مجتبى علي الخامنئي، بعد انتهاء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بوصفه الحدث السياسي الأبرز في مرحلة ما بعد الحرب.
فالقيادات العليا في الدول التي تخوض حروبًا وجودية لا تظهر في العلن خلال ذروة المواجهة إلا وفق حسابات أمنية وسياسية دقيقة.
أما اختيار لحظة الظهور بعد توقف العمليات العسكرية، فلا يبدو حدثًا بروتوكوليًا عاديًا، بل يحمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن زمن الحرب قد انتهى، وأن الدولة الإيرانية تجاوزت أخطر مراحل المواجهة.
وفي القراءة السياسية، فإن هذا الظهور يمثل إعلانًا رسميًا بانتهاء الحرب، وإيذانًا ببدء مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات، والانطلاق نحو إدارة نتائج المواجهة.
كما يمكن فهم هذا الظهور، من وجهة النظر الإيرانية، باعتباره إعلانًا عن الانتصار.
فالدول لا تعلن انتصارها بالكلمات فقط، بل تُجسده عبر استمرار مؤسساتها، وثبات نظامها السياسي، وقدرة قيادتها على الظهور بثقة بعد انتهاء القتال.
لقد كان الهدف المعلن للحرب، وفق كثير من التحليلات، إضعاف إيران وإخضاعها وتغيير موازين القوى في المنطقة.
لكن ظهور القيادة الإيرانية بعد انتهاء المعركة يوحي، في هذه القراءة، بأن تلك الأهداف لم تتحقق بالصورة التي أرادها خصومها، وأن الجمهورية الإسلامية ما زالت قائمة، ومؤسساتها فاعلة، وقيادتها تمارس دورها.
ومن هنا، فإن الرسالة التي أرادت طهران إيصالها لا تقتصر على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى الإقليم والعالم، ومضمونها أن الحرب انتهت، وأن إيران خرجت منها محافظة على تماسكها السياسي، وقادرة على الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة إدارة التوازنات الجديدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الأطراف ستتفق على توصيف نتائج الحرب أو على مفهوم الانتصار، فلكل طرف روايته وحساباته. إلا أن اختيار توقيت ظهور المرشد والقائد الجديد يمنح، في نظر كثير من المراقبين، دلالة سياسية قوية، تتمثل في إعلان انتهاء الحرب، وتقديم هذا الظهور بوصفه رمزًا لانتصار الدولة وصمودها.
وهكذا، قد لا يكون ظهور المرشد والقائد الجديد مجرد حدث إعلامي، بل قد يكون الرسالة السياسية الأهم التي أعقبت الحرب كلها؛ رسالة تقول إن زمن القتال قد انتهى، وإن إيران تدخل مرحلة جديدة وهي ترى نفسها قد اجتازت أخطر اختبار في تاريخها الحديث، وتسعى إلى تكريس هذه النتيجة في الوعي الداخلي والإقليمي والدولي.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل.
"صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام."