بقلم الشيخ بهاء الدين سلام
جريدة اللواء اللبنانية
4 تموز 2026 •
سنوات وسنوات مرَّتْ على غياب السيد محمد حسين فضل الله، العالم العلّامة الذي صاحب العقل الراجح والفكر النيّر واللسان الصادق والأعمال الصالحة والأثر البنّاء الواضح.
16 سنة مرَّت على رحيله، وخلالها مرَّ على البلاد والعباد عجاف السنوات وما زلنا نعاني منه، وربما سنبقى، لا لشيء إلّا لأننا فقدنا بوصلة الإنسانية في كل أمورنا اللبنانية..؟!أخبار لبنان
تمرُّ علينا ذكرى رحيل العلّامة فضل الله وما زلنا نرجع إلى علمه وفقهه واجتهاده ومواقفه الواضحة، وليثبت لنا كل هذا أن صاحب الذكرى ما زال سيداً في حياتنا، كما كان في كل أموره.
يا ليتنا في ذكرى رحيله - لا أقول نستذكر - بل نعمل على نشر الوعي الذي أضاء به طريق الكثيرين، ويا ليتنا نعمّم الاجتهادات التي خلص إليها لنؤمن - نعم لنؤمن – أن الوحدة التي كانت هدفا ثابتا للراحل هي الحل الوحيد لنا في لبنان.
و«نون» (يا ليتنا)، تخاطب المعمّمين من كل الألوان، والدعاة من كل الأطياف، والمشايخ من كل الفئات، و«الأتباع» في كل البلاد، لتسأل بكل وضوح: أما آن لكم أن تعودوا إلى رشدكم وأن تستفيقوا من آثار تلك (الصفعات الإبليسية) التي تحدث عنها العلّامة الراحل فقال: (إنّ الأمّة اليوم تواجه خطراً كبيراً من داخلها وخارجها أمّا خطر الدّاخل، فيكمن في الحقد والتّمزّق المذهبيّ الذي بدأ يتطرّف حتّى وصل إلى أن يسفك المسلم دم أخيه المسلم، لمجرّد الاختلاف في المذهب أو في الفكرة أو في تفسير هذه الآية أو ذاك الحديث المرويّ وما إلى ذلك)؟!
إن السيد الراحل قد أنذرنا منذ زمن بعيد فقال مرة: (إنَّ أمراء السياسة يراهنون على جهلكم، ويراهنون على أنَّه ليس عندكم وقت للتفكير فيما يقولون أو فيما يحدث من حولكم إنَّنا لا نريد أن نكون حملة شعارات، نريد أن نكون حملة رسالات).. فهل سألنا أنفسنا مرة حملة ماذا نحن..؟!».
ألم تروا قد هجرنا كل ما أفنى في سبيله السيد الراحل حياته وعملنا (بضدّه) عن سابق إصرار وترصّد..؟!
فنحن ننادي بالوحدة... ونعمل ضدها..؟!
نطالب بالعدل.. ونتمسّك بالظلم...؟!
ننشد العلم... وننشر الجهل...؟!
نسعى للحوار... ونرفض «كل آخر»...؟!
نرفع لواء الأخوة... لنتصرف تحته كالأعداء...؟!
إننا في ذكرى رحيل العلّامة السيد محمد حسين فضل الله، نستذكر مقولته الشهيرة: «نحن عندما نعيش همّ الوحدة، لا نعيشه همّاً يتمركز حول قضيّة دون أخرى، وإنَّما نعيشه همّاً إنسانياً بامتياز، همّاً يتناول قضية الإنسان في الصميم»، ونطالب كل مسؤول - أيا كانت مسؤوليته - أن يتخذه هدفاً لكل أعماله، في بلد غابت عن أعمال مسؤوليه كل معالم الإنسانية..!؟
فالسيد الراحل هو من أطلق صرخة التحذير في وجوه (أبالسة التفرقة) مَن مِن يفترض أن يكونوا حراسها، فقال: (اذا كنا نقتنع بالوحدة الإسلامية علينا أن ننـزل الى القاعدة، وربما تنطلق من القاعدة التي ربّيناها على الحقد لترمينا بالحجارة ولنعتبر هذه الحجارة وساماً لأن الذي يرجمك هو التخلّف وليس الوعي... فالتخلّف هو الذي رجم الأنبياء في التاريخ».
إن الحضور (الفكري - العملي) القوي والثابت للعلّامة الراحل يؤكد أن الكبار لا يرحلون، بل يبقى حضورهم، وهو حضور يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الفقيه والعالم والمجدّد ليس بالألقاب ولا بالمناصب ولا بالمراكز ولا بالسلطة ولا بالدعم السياسي أو المادي... وإنما هو بالعمل الصادق، ورحيل العلّامة السيد محمد حسين فضل الله تأكيد لا يقبل النقاش على أنه هو الحاضر الأول الذي ما زال بيننا بعلمه وبعمله ومبرّاته وكل مؤسساته وإرثه الفكري...