كتب الإعلامي حسين مرتضى
منذ الإعلان عن توقيع ورقة “اتفاق الإطار” بين السلطة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي، عاد المشهد اللبناني إلى واجهة الترقب السياسي، وسط أسئلة جوهرية حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، أم أن ما يجري ليس سوى محطة جديدة في مسار طويل من الضغوط والمواجهات ومحاولات فرض الشروط.
المعطيات السياسية المتوافرة تشير إلى أن الملف اللبناني لم يعد مجرد بند من بنود التفاوض الإقليمي، بل أصبح محوراً أساسياً في المباحثات غير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، والتي تستضيفها سويسرا. وما يجري هناك لا يتعلق بتفاهمات جزئية أو ترتيبات مؤقتة، بل يدور حول صيغة متكاملة تضع حداً للحرب على لبنان، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، من دون شروط مسبقة، ومن دون ما تحاول تل أبيب تسويقه تحت عنوان “المناطق التجريبية” أو أي صيغ تسمح لها بالإبقاء على وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن قدرته على فرض وقائع جديدة في الميدان تراجعت، ولذلك يسعى إلى استخدام طاولة المفاوضات لتعويض ما عجز عن تحقيقه عسكرياً. غير أن هذا المسار يصطدم بموقف واضح وثابت من المقاومة، التي تعتبر أن المرحلة الحالية مختلفة بالكامل عما سبقها، وأن العودة إلى ما قبل الثاني من آذار لم تعد مطروحة بأي شكل من الأشكال.
هذا الموقف لا يستند إلى خطاب سياسي فحسب، بل إلى معادلة فرضتها التطورات الميدانية، حيث باتت المقاومة تتمسك بخمسة عناوين لا تقبل المساومة عليها: وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، إضافة إلى معالجة ملف الأسرى. هذه العناوين تشكل بالنسبة للمقاومة الحد الأدنى لأي اتفاق يمكن أن يكتب له النجاح، وأي محاولة لتجاوزها أو الالتفاف عليها ستعني عملياً العودة إلى دائرة التصعيد.
في الداخل اللبناني، تتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات سياسية وإعلامية تتحدث عن احتمالات فتنة داخلية أو عن إمكانية زج الجيش اللبناني في مواجهة مع أبناء شعبه. غير أن قراءة هذه الحملات تشير إلى أنها تندرج ضمن إطار الحرب النفسية التي يعتمدها الأمريكي والإسرائيلي بهدف ممارسة ضغوط إضافية على لبنان، وإحداث انقسام داخلي يسهّل فرض الشروط السياسية التي عجز الاحتلال عن فرضها بالقوة العسكرية.
فالرهان على تفجير الساحة الداخلية ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسة ثابتة تقوم على محاولة نقل الأزمة من مواجهة مع الاحتلال إلى أزمة داخلية بين اللبنانيين أنفسهم. إلا أن التجارب السابقة أثبتت أن مثل هذه المحاولات غالباً ما تصطدم بوعي اللبنانيين وإدراكهم لحجم المخاطر التي تستهدف استقرار بلدهم.
وفي موازاة المشهد اللبناني، تتوسع التحركات الإسرائيلية على الجبهة السورية، حيث تشهد مناطق في ريف محافظة درعا توغلات متكررة للقوات الإسرائيلية، في خطوة تحمل أكثر من رسالة سياسية وعسكرية. فبنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمة داخلية وضغوطاً متزايدة، يدرك أن أي وقف لإطلاق النار في لبنان سيُقدَّم داخل إسرائيل على أنه تراجع عن الأهداف التي أعلنها مع بداية الحرب، ولذلك يحاول تعويض هذا المشهد عبر تصعيد جديد في الجنوب السوري، أملاً في تسويق صورة انتصار بديل أمام جمهوره.
غير أن هذا التوسع يحمل في طياته مخاطر كبيرة، لأنه يفتح جبهة إضافية في منطقة تعيش أصلاً حالة من التوتر، كما يكشف أن حكومة الاحتلال ما زالت تبحث عن مخارج سياسية وإعلامية أكثر من بحثها عن حلول حقيقية تنهي أسباب الصراع.
المشهد الحالي يؤكد أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها المفاوضات مع الضغوط العسكرية والنفسية، وأن اتفاق الإطار لن يكون نهاية الطريق، بل بداية اختبار جديد لمدى قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع عملية على الأرض.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن أي تسوية لا تقوم على وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، واحترام السيادة اللبنانية، ومعالجة الملفات الإنسانية العالقة، لن تكون قابلة للحياة. فالمعادلات التي فرضها الميدان خلال الأشهر الماضية جعلت من الصعب العودة إلى قواعد الاشتباك القديمة، كما أن أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة ستبقي المنطقة أمام احتمال مفتوح عنوانه استمرار المواجهة، مهما تعددت جولات التفاوض.