لماذا لا تصنع المناطق العازلة أمناً دائماً؟
كتب سعيد فارس السعيد
في الوقت الذي بدأت فيه ملامح مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية ترى النور، ومعها تتعزز الآمال بوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، تبرز في المقابل تحديات سياسية وعسكرية قد تعرقل هذا المسار، ولا سيما في ظل استمرار بعض الخطابات والتصريحات التي تتبنى منطق القوة بدلاً من منطق التسوية.
إن نجاح أي تفاهم سياسي أو أمني لا يتوقف عند توقيع الاتفاقات، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وخطاباً منسجماً يدعم مسارات التهدئة ويعزز الثقة بين الأطراف. أما الرسائل المتناقضة والتصريحات التصعيدية، فإنها تمنح القوى الرافضة للسلام فرصة لإعادة إنتاج الأزمات وإفشال فرص الاستقرار.
وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة مجدداً فكرة إنشاء المناطق العازلة أو الأحزمة الأمنية باعتبارها وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار. غير أن التطورات العسكرية والتكنولوجية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة تفرض إعادة النظر في هذه المفاهيم التقليدية.
ففي ظل امتلاك معظم أطراف الصراع للمسيّرات الانتحارية، والصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، والأسلحة الدقيقة والتدميرية المتطورة، بل وحتى التقنيات الفرط صوتية لدى بعض القوى، لم تعد المناطق العازلة وحدها قادرة على توفير الأمن الحقيقي أو ضمان الاستقرار الدائم.
لقد جعل التطور التكنولوجي العسكري الحدود والمسافات أقل قدرة على منع التهديدات، وأصبح الوصول إلى العمق الجغرافي لأي دولة أمراً ممكناً بوسائل متعددة. ولذلك لم يعد الأمن يُصنع بالجغرافيا وحدها، كما لم تعد الجدران والأسلاك والمناطق الفاصلة قادرة على توفير الحماية الشاملة التي كانت تُنسب إليها في مراحل سابقة.
ومن هنا، فإن الرهان على المناطق العازلة باعتبارها حلاً نهائياً للصراعات يبقى رهاناً محدود الجدوى، لأنه يعالج مظاهر الأزمة ولا يقترب من جذورها الحقيقية. فالأمن لا يمكن أن يكون حكراً على طرف دون آخر، ولا يتحقق عبر القوة وحدها أو عبر فرض الوقائع والإملاءات على الشعوب والدول.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يمثل نموذجاً واضحاً لهذا التناقض. فبينما تؤكد التصريحات الإيرانية المتكررة تمسكها بوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، ولا سيما في لبنان، باعتباره مدخلاً ضرورياً لتثبيت الاستقرار وفتح الباب أمام الحلول السياسية، تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بما في ذلك القصف واستهداف القرى والبلدات وسقوط الضحايا المدنيين، بالتزامن مع تصريحات إسرائيلية تؤكد استمرار الوجود العسكري في أجزاء من الجنوب تحت مسمى "المنطقة الأمنية" أو "المنطقة العازلة"، مع مواصلة استهداف البنية العسكرية لحزب الله.
ويرى عدد من المراقبين أن تياراً متشدداً داخل إسرائيل، تدعمه مواقف متشددة داخل الإدارة الأمريكية، لا يزال يدفع باتجاه إطالة أمد المواجهة، من خلال رفض تثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة، وعدم الانسحاب من الجنوب اللبناني، الأمر الذي يهدد فرص التهدئة ويضعف أي تفاهمات سياسية تهدف إلى خفض التوتر.
وفي المقابل، فإن أمن الخليج العربي، وأمن مضيق هرمز، وأمن المنطقة بأسرها، يجب أن يكون مسؤولية مشتركة بين دولها وشعوبها، وفق مبادئ السيادة، واحترام القانون الدولي، وضمان حرية الملاحة، بعيداً عن تحويل الممرات البحرية إلى ساحات صراع أو أدوات للضغط السياسي والعسكري.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن سياسات الهيمنة والغلبة والاستقواء لم تنجح في إنهاء النزاعات أو تحقيق الأمن المستدام، بل ساهمت في تعميق الانقسامات وتوسيع دوائر العنف وعدم الاستقرار. كما أثبتت أن المناطق الأمنية، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تحل محل التسويات السياسية العادلة، ولا أن تلغي أسباب الصراع الكامنة.
إن الأمن المستدام لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل يبدأ من وجود إرادة حقيقية للسلام، واحترام متبادل للسيادة الوطنية، والالتزام بالقانون الدولي، والاعتراف بحق الشعوب في العيش بأمان وكرامة. وكلما غابت العدالة وتراجعت فرص التسوية السياسية، بقيت أسباب الصراع قائمة مهما تعددت الإجراءات الأمنية وتنوعت وسائل الردع.
للصبر حدود.
إن استمرار العمليات العسكرية في لبنان، وتأخير تثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة، يهددان بإعادة المنطقة إلى دوامة جديدة من التصعيد لا تصب في مصلحة أي طرف.
إن أمن لبنان واستقراره لا ينفصلان عن أمن المنطقة بأسرها، كما أن أي توسع في دائرة المواجهة ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الدول المعنية، لتطال الأمن الإقليمي والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب اللبناني، ووقف جميع العمليات العسكرية التي تنتهك السيادة اللبنانية، والالتزام بتنفيذ جميع التفاهمات والاتفاقات ذات الصلة، تمثل خطوات أساسية لترسيخ الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
كما أن بناء منظومة أمن إقليمي يكون فيها أمن الخليج العربي، وأمن مضيق هرمز، وأمن المنطقة مسؤولية مشتركة لدولها وشعوبها، هو الطريق الأكثر استدامة لتحقيق الأمن والاستقرار.
لقد آن الأوان لأن ينتصر منطق السلام والحوار على منطق الحرب، وأن تتغلب العدالة على الهيمنة، والتعاون على الصراع، وأن تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها في حماية شعوب المنطقة من دورة جديدة من العنف.
فالسلام الحقيقي لا يولد من المناطق العازلة، ولا من الاحتلال، ولا من فرض الأمر الواقع، بل يولد من احترام سيادة الدول، والالتزام بالاتفاقات، وتحقيق العدالة، وبناء الثقة المتبادلة بين شعوب المنطقة.
صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد... لا من تحت الركام.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني.