كتاب واراء

لا يمكن أن يستمر أي اتفاق دون وقف العدوان والانسحاب من جنوب لبنان

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

"صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام."

 

كثرت في الآونة الأخيرة التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل، وحول ما إذا كانت الخلافات التي تظهر بينهما في بعض المحطات هي خلافات حقيقية أم مجرد تباين في الأدوار والأساليب.

 

لكن بعيدًا عن التحليلات والتكهنات، فإن المعيار الحقيقي للحكم على أي تفاهمات أو اتفاقات سياسية لا يكون عبر التصريحات الإعلامية أو المواقف الدبلوماسية، بل عبر الوقائع الملموسة على الأرض.

 

فإذا كانت هناك بالفعل تفاهمات أمريكية – إيرانية تهدف إلى خفض التوتر ووقف الحروب المفتوحة في المنطقة، فإن نجاح هذه التفاهمات يبدأ من تنفيذ بندها الأهم: وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية.

 

ومن هنا تبرز حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها: لا يمكن لأي اتفاق أن يستمر أو يكتسب المصداقية المطلوبة ما لم تتوقف إسرائيل فورًا وبشكل كامل عن جميع العمليات العسكرية ضد لبنان، وما لم تنسحب من الأراضي اللبنانية التي ما تزال تحتلها في الجنوب.

 

فالسلام لا يُبنى تحت هدير الطائرات، ولا تنجح المفاوضات بينما تستمر الاعتداءات العسكرية، ولا يمكن إقناع الشعوب بجدية أي مشروع للاستقرار فيما تبقى القرى والبلدات الجنوبية تحت التهديد الدائم.

 

إن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لا يضر بلبنان وحده، بل يهدد مستقبل أي مسار تفاوضي إقليمي، ويضعف ثقة الشعوب والدول بجدية الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الصراعات المزمنة في الشرق الأوسط.

 

ولهذا فإن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان ووقف جميع الأعمال العسكرية يشكلان اختبارًا حقيقيًا لمصداقية كل الأطراف المعنية بالتسويات الجارية، سواء كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل أو سائر القوى الإقليمية والدولية.

 

فإذا كان الهدف المعلن هو الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون احترام السيادة اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية والأمن إلى المناطق الحدودية.

 

أما إذا استمرت العمليات العسكرية واستمرت سياسة فرض الوقائع بالقوة، فإن ذلك سيعزز الاعتقاد لدى كثيرين بأن الحديث عن السلام ليس سوى عنوان سياسي لا يواكبه التزام عملي على الأرض.

 

لقد عانت شعوب المنطقة ما يكفي من الحروب والدمار، وأصبحت بحاجة إلى مرحلة جديدة تقوم على احترام السيادة والعدالة والمصالح المشتركة، لا على إدارة الأزمات وإدامة الصراعات.

 

ومن هنا فإن نجاح أي تفاهم أمريكي – إيراني أو أي مشروع إقليمي جديد سيبقى مرتبطًا بمدى القدرة على تحويل الوعود إلى أفعال، وفي مقدمة هذه الأفعال: وقف الحرب، والانسحاب من الأراضي المحتلة، واحترام حق الشعوب في الأمن والاستقرار والسلام.

 

فالسلام الحقيقي لا يبدأ من البيانات والتصريحات، بل يبدأ عندما تتوقف البنادق، وينتهي الاحتلال، وتُحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة