إستقلال الطاقة العالمي … هو الإستقلال السياسي الحقيقي للتحرك الجيوسياسي
كشفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، هشاشة الموقف الغربي وتصدُّعه، فقد كان مقدراً على حلف شمالي الأطلسيّ أن يتدخّل ، ويجمع قوّاته البحريّة ويتوجّه فوراً إلى الخليج العربيّ ، مسانداً للأسطول الأميركيّ بعدم السماح لإيران أبداً بتحديد من يمرّ عبر مضيق هرمز ومن لا يمرّ، وفي حال أصرّت إيران على ذلك، فستشمل المواجهة التحالف الغربيّ بأكمله، فترامب ونتنياهو حاصرا نفسيهما في الزاوية، وبات الجميع داخلها معهما، لكن الأسوأ هو أنهّ من الصعب تصوّر كيف ستنتهي هذه الحرب، بإتّفاق سلام من دون أن يمنح إيران فرصة جديدة للبقاء، لأنّ أيّ إتّفاق يُلزم إيران بالتخلّي عن اليورانيوم المخصّب، ويفرض قيوداً على التخصيب مستقبلاً، سيستدعي في المقابل تقديم ترامب لطهران، جرعات وتقديمات مالية عبر رفع العقوبات، ومسارعة ترمب للقاء شي جين بينغ المحاصر بالتعريفات الجمركية، جاءت لتبحثَ عن مخارج سريعة داهمة من حربٍ لم يَعد يريدُها، لكنه لا يعرفُ كيف يُنهيها دونَ كسرِ الهيبة الأميركية وعظمتها، ودون الإذلال لإيران رغم تصريحاته المعهودة قبيل سفره، من أنّه لا يعتقد أنّه بحاجة إلى مساعدة الصين لإنهاء الحرب على إيران.زيارة ترمب وإستنساخ التفاوض النوويإنَّ جلوس دول الناتو متفرِّجة على هيمنة إيران على مضيق هرمز، وكذلك على دول الخليج العربيّ المطلّة عليه، سيُبقيان شريان الحياة النفطيّ الأهمّ بالعالم، في حالة عدم إستقرار دائم، فهذا أمرٌ ليس بالهيّن على أوروبا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على غاز الخليج لحماية إقتصاداتها وتوليد الطاقة، ما لم ترغب في العودة إلى التبعيّة لروسيا، في المقابل، قلَّل ترمب من شأن الناتو، وأضعف قدرته الردعيّة تجاه روسيا، وخاض حرباً ضدّ إيران من دون التشاور مع أحد، وأبدى عدم إهتمام تجاه الآثار الإقتصاديّة المدمّرة للحرب على حلفائه، من تضخّم ونقص في الطاقة، وهو ما قد يدفع الشعوب الى رفض دعم قادتها في أيّ تحرّك لمساندة الولايات المتّحدة، وهذا ما يزيد الإختلال يوما بعد يوم في سياسات ترمب، فبكّين التي نجحت في تَبريدِ صفيحِ الخليج العربيّ السّاخن بين طهران والرياض، هيَ الوحيدةُ التي تملك مفاتيح التعامل مع العقل الإيراني، إذ يعرف ترمب أنّ بكّين ليْست وسيطاً، بل هي كفيل يملك أدوات إقتصاديّةً، تجعل من الصّعبِ على طهران التّراجع عن إلتزاماتها، فقَد أثبتَتِ الصّين أنّ سياسة الدّبلوماسيّة الصّامتةَ، هي الوحيدة القادرة على إنزال الجميعِ عن شجرة السقوف العالية، وهوَ ما يطمح ترامب لإستنساخه في المِلفّ النّوويّ الإيرانيِّ.فالزّيارةِ المِفصليّةِ الترامبية لبكين، سبقها ردُّ طَهران على مقترحِ وقفِ الحربِ عبر باكستان، فلم يكُن الرّدُّ إنتحاريّاً ولم يكن كذلك إستسلاماً، بل رسالةً مبطَّنة بالحبر الصينيٍّ، فإيران التي تَرتَبطُ مع الصّينِ بشراكةٍ إستراتيجيّةٍ منذ ما يزيد عن ربع قرن، تدركُ أنَّ بكّين هي نافذتُها الوحيدة الباقية على العالم، لتمنحها ورقة تفاوضٍ قوية تَستَخدِمَها في مواجهةِ ترامب، فليست الصّين مشترياً ومُستهلكاً للنّفطِ الإيرانيّ الرّخيصِ والمهرّبِ من العقوباتِ وحسب، بل الضّامن الذي يثقُ به المُحافِظون في طهران، أكثر ممّا يثقونَ بوعودِ الأوروبيّينَ المُتَردّدةِ، من هُنا، تركَّزت أهمّيّة زيارة ترامب، كونها منصّة لرسم معالم الصّفقةِ الكُبرى، التي تجاوزت حدودَ التّجارة، ووصلت إلى عمق الأمن القومي في الشّرق الأوْسط.لكنّ هناك حذرٌ من تنازلات بمنح إيران أيّ حقّ خاصّ في إقامة نقطة جباية للرسوم، لإبتزاز السفن التي تمرّ عبر مضيق هرمز، وهذا هو بالضبط ما يسعى الإيرانيّون إلى تحقيقه، عبر إنشاء هيئة جديدة تُدعى هيئة مضيق الخليج، تهدف لوضع نفسها كسلطة وحيدة صالحة لمنح الإذن للسفن العابرة للمضيق، وهذا سيعطي أي دولة أخرى، المجال بإنشاء نقاط جباية مماثلة في الممرّات البحريّة الحيويّة قبالة سواحلها. أميركا المنتج والمصدر الأول للطاقةلكن المفارقة الكبرى صارت اليوم، هو أنَّ الولايات المتّحدة، تحوَّلت إلى منافس لنفط الشرق الأوسط في أسواق آسيا، ولذلك ذهب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الصين، ليُعلن من هناك موافقتها على شراء النفط والغاز من أميركا، كجزء من تفاهمات تجاريّة أوسع مع وفد إقتصاديّ كبير، وهو ما شكَّل تحوُّلاً في الموازين التي رَسمت الإستراتيجية الأميركيّة في الخليج على مدى قرنٍ، شكَّلت فيه الولايات المتّحدة أكبر مشترٍ لنفط المنطقة، والمعنيّ الأكبر بأمن إمداداتها وسلامة الملاحة في ممرّاتها البحرية.فقبل 15 عاماً، شكَّل إستيراد الولايات المتّحدة من النفط الخام حوالي 7 ملايين برميل يوميّاً، فيما كان إنتاجها لا يتجاوز 5.5 مليون برميل يوميّاً، لكن وبعد أن ظهرت طفرة النفط الصخريّ إنقلبت المعادلة: بحيث إنخفض صافي واردات النفط الخام الأميركيّة بنسبة 70%، ليقف عند 2.2 مليون برميل يومياً، بل إنّها تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى صافي مصدّر للمنتجات البتروليّة، لأنّها تنتج المكثّفات والسوائل من حقول الغاز بكمّيّات كبيرة، في المقابل تجاوز الإستيراد الصينيّ بـ13% ، ليتجاوز 11 مليون برميل يومياً، ويصبح أمن الإمدادات مشكلة صينيّة لا أميركيّة، ولذلك صرَّح الأميركيّون للصين، بأنّ مضيق هرمز هو مشكلتكم أنتم، وعرضوا المساعدة بشراء النفط والغاز من الولايات المتحدة، وهنا تكمن الحقيقة الإقتصاديّة، بأنّ إغلاق مضيق هرمز من قِبل إيران، لا يؤلم الأميركيّ بقدر ما يؤلم حليفها الصينيّ، لذلك توافقت الخطابات الأميركيّة والصينيّة، على تأييد فتح المضيق بلا تحفّظ.إذن،إستراتيجية ترمب ثابتة منذ ولايته الأولى في تعزيز صناعة النفط والغاز، والسيطرة على شرايين الطاقة حول العالم، فهو قام بالضغط على أوروبا لإحلال الغاز الأميركي المُسال بدل الغاز الروسيّ الأرخص ثمناً، وقد أتت الحرب الأوكرانيّة في عهد الرئيس جو بايدن، لتعطي دفعاً هائلاً لهذا التوجّه، وقام بالضغط على الصين في إطار الحرب التجاريّة الأولى، لزيادة مشترياتها من النفط والغاز الأميركيَّين، وقد إلتزمت بكّين بالفعل بشراء ما قيمته 52 مليار دولار من الهيدروكربونات من النفط والغاز وتوابعهما، وهذا الإتّفاق أدَّى إلى إرتفاع الواردات الصينيّة من النفط الأميركيّ إلى قرابة نصف مليون برميل يوميّاً عام 2021، فيما سجّلت وارداتها من الغاز المُسال الأميركيّ ذروة قياسيّة بلغت 9.3 مليون طنّ في ذلك العام، لكن الواردات تدهورت بشكل تامّ في ظلّ الحرب التجاريّة الثانية، التي أطلقها ترامب بعدما فرضت بكّين رسوماً جمركيّة هائلة عليها.أما الإستراتيجية الثانية الثابتة ، تكمن في نظرة ترمب إلى تصدير النفط والغاز إلى الصين كحلٍّ لمعضلات عديدة ، الأولى هي معضلة العجز التجاريّ الكبير مع بكين ، فالولايات المتحّدة صدّرت إليها بـ106 مليارات دولار في 2025 ، مقابل واردات من الصين بلغت 308 مليارات دولار،وبالتالي، قد يشكّل النفط والغاز حلّاً جزئيّاً لتقليص الفجوة التجارية بين الطرفين، أما المعضلة الثانية، فهي تتعلَّق بإستراتيجية هيمنة الطاقة الأميركيّة، كعنوان أساسي في سياسات ترامب، التي تقوم على أنّ الطاقة ليست سلعة إقتصاديّة فحسب، بل هي سلاح جيوسياسيّ، فمن يمتلكه يمتلك مفاتيح النموّ، فيما تكْمن المعضلة الثالثة، بإغلاق أهمّ سوق للنفطين الروسيّ والإيرانيّ، حيث تستورد الصين ما يقارب 3 ملايين برميل يوميّاً من هذين البلدين، مع حسم كبير في الأسعار، كثمن للإلتفاف على العقوبات الأميركيّة ، إذ يصل النفط الإيرانيّ إلى الصين بتخفيضات تراوح بين ثمانية وعشرة دولارات للبرميل، أي نحو 7 مليارات دولار سنويّاً، أقلّ ممّا لو إشترته بسعر السوق.ففي ظلّ إغلاق مضيق هرمز الذي تمرّ عبره نصف واردات النفط إلى الصين، لا يُمكن للولايات المتّحدة بأيّ حال، تعويض الإمدادات الروسيّة والإيرانيّة إلى الصين لسببين : الأول ، إنّ أقصى ما صدّرته أميركا إليها في أفضل أحوالها نصف مليون برميل يوميّاً ، أي أقلّ من 5% من إجمالي إحتياجاتها، والثاني، هو أنّ النفط الأميركيّ الخفيف ، لا يلائم المصافي الصينيّة المصمّمة للنفط الثقيل، كما تكاد المسافة بين موانئ الخليج الأميركيّ والموانئ الصينيّة تضاعف تكلُفة الشحن، وأنّ أميركا إلتزمت عقود تصدير طويلة الأجل نحو أوروبا واليابان وكوريا لا تستطيع نقضها، ولذلك فإنَّ الحرب التي تشنّها واشنطن على إيران اليوم، هي ضغطٌ على هذه الإمدادات ، وقد وجدت الصين نفسها أمام تراجع فعليّ في الوصول إلى النفط الإيرانيّ، وهنا كان الرهان الأميركيّ ، بأنه إذا إستمرّ إغلاق مضيق هرمز وتعطّلت إمدادات إيران ، فإنّ الصين مضطرّة للبحث عن بدائل، وأميركا تعرض نفسها واحداً من هذه البدائل ، وفي المقابل لن تُلغي بكين العلاقة الإستراتيجيّة مع طهران من أجل النفط الأميركيّ، الذي قد تنقطَّع إمداداته بقرار سياسيّ مع أوّل أزمة جمركيّة، فما يمكن لأميركا تحقيقه هو تقليص الإعتماد فقط ، وليس إلغاؤه. الحدائق الخلفية الأميركية للطاقةإشتغلت المحرِّكات الصينية في سياستها الخارجية، بالإعتماد على نفط الشرق الأوسط، فبكين، طالما كانت تُفضّل الغياب الإستراتيجيّ عن منطقة تعتبرها كفناء أميركيّ خلفيّ لواشنطن، وهي باتت اليوم منخرطة فيها بشكل متدرج ، بدءاً من رعايتها لإتّفاق المصالحة بين إيران والمملكة العربية السعوديّة في آذار 2023، وهذا يضع إيران على حدّ دقيق أمام حقيقة إقتصاديّة مفادها، بأنّ إغلاق مضيق هرمز لا يؤلم إلاَّ الحليف الصينيّ ، وصارت مضطرة لتهدئة الخواطر، تجاه التوافق الأميركيّ والصينيّ على تأييد فتح المضيق بلا تحفّظ ، بل وعلى تأييد الصين للموقف الأميركيّ الرافض لإمتلاك إيران أسلحة نوويّة.هنا ترتسم صورة جيوسياسيّة معقّدة، فبينما تمتلك أميركا إنتاجاً ضخماً من النفط والغاز، فهي لا تستطيع أن تكون شريان الطاقة البديل لآسيا، وبينما تتقيَّد الصين بشرايين الطاقة الممتدّة من الشرق الأوسط المضطرب، تُمسك إيران بورقة المضيق، لكنّها تخاطر بأن يقع ثقله الأكبر على كاهل حليفها قبل خصمها، وبينما تجد دول الخليج نفسها، في مواجهة عالم يتراجع فيه الإلتزام الأميركيّ تجاه المنطقة، تصعد الصين كقوّة إقتصاديّة، وتحسب خطواتها في ما عدا ذلك، فمن الواضح أنّ الحجر الكبير الذي وقع في مضيق هرمز، حرّك المياه في بحر الصين.أخيراً..إن تقييم نتائج أي قمة مهمَّة وناجحة، تكمُن في تأثيرها على الإستقرار العالمي، ولهذا فقد وضعت قمَّة بكين الأخيرة، الصين في موقع القوة الإقتصادية المماثلة والموازية للولايات المتحدة، فهي أصبحت قوة إقتصادية وعالمية أخرى ندِّية وليس ثانية، لكن اللاّفت هنا، هو عولمة الفريق الصيني فكرياً، على عكس الفريق الأميركي الذي يُركِّز على عظمة أميركا وتحصيل حقوقها، عبر كلِّ الوسائل بما فيها التعريفات والقيود التجارية، وكذلك اللاَّفت، هو أنَّ الصين صارت تمارس سياسات رأسمالية في تفكيرها العملي أكثر من الولايات المتحدة، التي كانت توصف بزعيمة الإقتصاد الحر، ومن هنا على إدارة ترمب أن تعِي بأنه ليس لديها مساحة للتلاقي بين المصالح الأميركية والإيرانية، ومن ثم فإنَّ حلَّ أي صراع عبر التسوية السياسية، يستلزم أن يعرف كلّ طرف، بأن إستمرار الصراع يفرض أكلافاً أكبر من أية مكاسب مُحْتمَلة، من دون وجود أفق واضح للنصر، وهنا فقط يصبح التفاوض ممكناً، أما بالنسبة إلى إيران فإنها باتت تدرك، أن إستمرار الصراع قد يحقِّق لها مطالبها، على عكس المفاوضات التي يعرض خلالها ترمب ما تعتبره إيران مسَّاً بأمنها ومصالحها، وهو الإعتراف المتبادل، بأن الحلَّ العسكري أو فرض الإستسلام غير ممكن، وبالتالي فإنَّ الحاجة صارت ضرورية إلى طريق للخروج متَّفق عليه، بعد أن تجاوزت إيران وإدارة ترمب مرحلة المحظور، وأصبحت العلاقة بينهما تعيش حال الصفر، حيث لم تعدْ هناك خطوط حمْر تخشاها إيران، وأي فعل أميركي ستواجهه بردٍّ على المنطقة والإقتصاد العالمي، وترى أنَّ أية مرونة من قِبلها ستعتبرها واشنطن ضعفاً، إذ لم يصل النظام الإيراني إلى نقطة الجمود المؤلم المتبادل، بالمعنى الذي يدفعه لتقديم تنازلات إستراتيجية، وبالتالي فإنَّ ترمب قد فشل في تحويل الضغط العسكري إلى مسار تفاوضي مستقر، لأنّ أحد طرفي المعادلة لم يشعر بعد بأن إستمرار الوضع الحالي غير قابل للتحمُّل، وهنا لا تُحسم الصراعات الكبرى بالقوة وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدراك اللَّحظة التي يصبح فيها إستمرار الصراع هو الهزيمة بحدِّ ذاتها، بسبب عدم تحمُّل التكلفة أكثر، وهو ما يمكن أن يتحقَّق بعد جولة جديدة من الحرب بينهما، ولربما تكون اللَّحظة المناسبة لإدراك الطرفين، ضرورة إيجاد المخارج المناسبة.
أضيف بتاريخ : 2026-05-24 09:19:43 |