كتاب واراء

آلام المخاض بين أميركا وإيران …

بقلم : أمين السكافي اللحظة التي سقط فيها نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران علاقة نزاع سياسي تقليدي يمكن احتواؤه عبر الوساطات الدبلوماسية العابرة، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في التاريخ السياسي الحديث. فالثورة الإسلامية التي أطاحت بالحليف الأبرز لواشنطن في الخليج لم تُسقط رجلًا فقط، بل أسقطت معها منظومة كاملة من النفوذ الأميركي الذي كان يمتد داخل إيران كامتداد طبيعي للمصالح الغربية في المنطقة.ثم جاءت حادثة السيطرة على السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الدبلوماسيين الأميركيين لتشكّل لحظة الانفجار الكبرى بين الطرفين، وتؤسس لمرحلة طويلة من القطيعة والعداء المعلن. منذ ذلك التاريخ، دخل البلدان في حرب باردة مفتوحة، امتزج فيها السياسي بالعسكري، والعقائدي بالإقتصادي، والأمني بالإستخباراتي، حتى بات من الصعب الفصل بين الصراع المباشر والصراعات التي دارت بالوكالة في أكثر من ساحة.فعلى مدى سبعة وأربعين عامًا، لم تقتصر المواجهة على العقوبات والخطابات النارية، بل امتدت إلى ملفات المنطقة كلها تقريبًا. من العراق إلى لبنان، ومن فلسطين إلى سوريا واليمن والخليج، كانت بصمات الصراع الأميركي الإيراني حاضرة بصورة أو بأخرى. الولايات المتحدة رأت في الجمهورية الإسلامية مشروعًا يهدد نفوذها التقليدي وحلفاءها التاريخيين، بينما اعتبرت طهران أن واشنطن تمثل رأس المشروع الذي يسعى إلى محاصرتها وإسقاط نموذجها السياسي والعقائدي.هذا التناقض لم يكن تقنيًا أو مرحليًا، بل هو خلاف بنيوي يبدأ من الإيديولوجيا ولا ينتهي عند أسلوب إدارة الملفات الدولية. فإيران تنظر إلى نفسها كقوة مقاومة للهيمنة الغربية، فيما ترى أميركا أنها أمام دولة تسعى إلى إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط خارج الإرادة الأميركية. حتى لغة السياسة بينهما كانت دائمًا لغة حذرة ومشحونة في آن واحد؛ رسائل بالنار أحيانًا، وبالوساطات السرية أحيانًا أخرى، لكن دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.ورغم هذا التاريخ الطويل من الحقد والكراهية المتبادلة، تبدو الصورة اليوم مختلفة نسبيًا. فالمراقبون يدركون أن الطرفين، وبرغم الضجيج الإعلامي ورفع الأسقف السياسية، لا يريدان الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة. الولايات المتحدة تدرك أن أي حرب كبرى مع إيران ستشعل المنطقة بأكملها، وستفتح أبواب استنزاف عسكري وإقتصادي لا قدرة للعالم على تحمل نتائجه، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة. وفي المقابل، تعرف طهران أن الإنفجار الكبير قد يهدد مشروعها الإقليمي ويضع الداخل الإيراني أمام تحديات قاسية سياسيًا وإقتصاديًا وأمنيًا.من هنا، تبدو المفاوضات الجارية، سواء المعلنة أو غير المباشرة، أشبه بآلام مخاض طويلة ومعقدة. فلا أحد يتوقع أن ينتهي نصف قرن من العداء بشطبة قلم، أو بمبادرة دبلوماسية سريعة، أو حتى بإتفاق مرحلي محدود. المسألة أعمق بكثير من مجرد تفاهم حول الملف النووي أو رفع بعض العقوبات، لأنها ترتبط بإعادة رسم شكل العلاقة بين قوتين تصارعتا طويلًا على النفوذ والهوية والدور في المنطقة.أما المقترحات والتسريبات التي تتحدث عن صيغ تفاهم جديدة، فإن المهنية السياسية تفرض التعامل معها بحذر شديد، خاصة أنها لم تصدر رسميًا عن أي من الطرفين. لكن الثابت حتى الآن أن أي تقارب أميركي إيراني، ولو كان محدودًا، سينعكس مباشرة على ساحات الإشتباك في المنطقة، وفي مقدمتها جنوب لبنان. فإيران، بقيادة المرشد الأعلى، لا تزال تتعامل مع ما يُعرف بـ”وحدة الساحات“ كجزء من عقيدتها السياسية والأمنية، ما يعني أن أي تهدئة مع واشنطن ستترك أثرًا واضحًا على مستوى التصعيد الإقليمي.ومن لبنان إلى غزة، مرورًا بالعراق واليمن، تبدو المنطقة كلها مترابطة بخيط تفاوضي دقيق. كذلك فإن الولايات المتحدة، وهي تدير هذا المسار، لن تغفل مصالح حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، إلى جانب حليفها الإستراتيجي الأبرز إسرائيل، التي تراقب بقلق بالغ أي تحول قد يمنح إيران هامشًا أوسع للحركة أو الشرعية السياسية.لكن، وبرغم كل التعقيدات، فإن المؤشرات توحي بأن الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أن استمرار النزيف المفتوح لم يعد مجديًا. فالحروب المستمرة أنهكت الإقتصادات، واستنزفت الجيوش، ودفعت شعوب المنطقة أثمانًا هائلة من الدم والدمار والفوضى. ولذلك، فإن الهدوء على الجبهة الإيرانية قد ينعكس هدوءًا على معظم الجبهات المشتعلة، ولو بصورة تدريجية ومدروسة.غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإمكانية الوصول إلى إتفاق فحسب، بل بالشكل الذي سيأخذه هذا الإتفاق، وحدود التنازلات الممكنة، وطبيعة النظام الإقليمي الجديد الذي قد يولد من رحم هذه التسوية. فلا أحد يستطيع حتى الآن تحديد جدول زمني واضح لوصول المفاوضات إلى خواتيمها، لكن الواضح أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية قد تعيد صياغة الكثير من السياسات والتحالفات.إنها بالفعل آلام مخاض سياسي طويل، قد لا ينتهي بولادة سلام كامل، لكنه بالتأكيد يمهّد لشرق أوسط مختلف، أقل اشتعالًا، وأكثر ميلًا إلى إدارة الصراع بدل تفجيره. وبين واشنطن وطهران، يبدو أن لغة المصالح بدأت تتقدم تدريجيًا على لغة الشعارات، ولو بعد سبعة وأربعين عامًا من العداء المفتوح .


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد