كتاب واراء

استراحة محارب في الصراع الشيعي الاسرائيلي، والحرب السنية الاسرائيلية الطاحنة بدأت

"الذين يعرفونني يعرفون حجم فهمي للنظام العالمي وأسراره، لكن هذا هو قدر الشيعي العربي؛ فالشيعي المؤمن "يستشهد"، والشيعي الذي يفكر خارج شمولية رجال الدين يموت وحيداً مثل الدكتور علي الوردي، أما الشيعي العبقري فإن نهايته تكون كحقيبة ثياب وزجاجة خمر الشاعر العلامة الجواهري.. هذا هو قدر الشيعة العرب.لذلك، نحن أمة لن ترى النور، ولن تحكم مهما تعاظمت قوتها؛ لأنها غير مهيأة للحكم، والعراق ولبنان نموذجان صارخان للفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.عندما باركنا للشعب اللبناني انتهاء الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية، كانت قد تبقت ساعات قليلة على انتهاء موعد وقف إطلاق النار، ومع ذلك قلنا "مبروك لانتهاء الحرب". إن ما حدث هو ذلك المتغير الذي رافق ارتفاع حدة اللهجة التركية في وجه إسرائيل وأمريكا، مما دفع الجمهوريين الأمريكيين — الذين شنوا سابقاً حرباً عنيفة على سياسة الديمقراطيين والرئيس أوباما — إلى تقييم خطأ ترامب؛ انطلاقاً من قناعة مفادها أن إيران، وإن بدت قوية، إلا أنها ليست سلطة استعمارية وهي ضعيفة طائفياً، بينما تركيا "إمبراطورية" ستعود لتحكم المنطقة وربما نصف أوروبا. لذلك، كان أوباما محقاً عندما حاول إسقاط أردوغان (الذي حمته بريطانيا)، كما كان على صواب عندما منح إيران الاتفاق النووي.»لقد فهم الامريكيين مؤخرا ان المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد ليست مجرد منصة لاستضافة جولة جديدة من المباحثات الأمريكية الإيرانية، بل كانت مسرحاً لإعلان الانتقال من معركة استمرت لأربعة عقود بين إسرائيل والشيعة، وولادة قيصرية لشرق أوسط جديد صِيغ بلهيب "الة الحرب الامريكية الاسرائيلية المدمرة" وركام المدن المحطمة. تأتي هذه المتغيرات في أعقاب "زلزال شباط" العسكري، حين شنت إدارة ترامب بالتنسيق مع إسرائيل هجوما عسكريا ضد إيران وحزب الله، لم تكتفِ بتدمير المفاعلات النووية، بل دمرت "عمدان" الاعتدال في العالم الإسلامي باغتيال السيد علي الخامنئي وقبله السيد حسن نصر الله، وتدمير المدن والقرى الشيعية اللبنانية، وتحويل غزة إلى أرض محروقة غاب عنها أثر القيادات والمقاومة المسلحة. ومع جلوس طهران اليوم على طاولة إسلام آباد بوضعها الجديد، يبدو أن "الهلال الشيعي" – وبسبب الطائفية والعصبية المذهبية رغم ما قدمه من تضحيات على محراب القدس – لم يستطع أن يكون جزءاً من جسد الأمة السنية التي رفضته ولم تدافع عنه، بل تفرجت عليه وهو يحترق بنار كبرى دخلها مدافعاً عن القضية الفلسطينية، مخلفاً وراءه فراغاً جيوسياسياً لن تملأه إسرائيل كما توقعت، بل سيملؤه "المارد السني" الصاعد المتمثل في تحالف "تركيا – باكستان"، واللذين وصفهما الإعلام الإسرائيلي بالأعداء الجدد.في قلب هذا التحول الدراماتيكي، تقف سوريا كأكبر شاهد على التغيير؛ فمنذ سقوط نظام بشار الأسد وتولي "أحمد الشرع" سدة الرئاسة بدعم أمريكي مباشر، تبدلت هوية الدولة السورية كلياً. الشرع، الذي أدرك بعدما شاهد حجم الدمار الذي دفعه كل من دافع عن فلسطين، فاختار طريق "النجاة" وبقبوله السلام مع إسرائيل، وفكّ الارتباط التاريخي "بان سوريا قلب العروبة النابض" مقابل الاعتراف الامريكي ومليارات الإعمار، متحولاً ببلاده إلى "منطقة عازلة" محمية دولياً، مفضلاً الحضن الأمريكي على التحالف التركي، خشية أن ينال ما ناله الإيراني وحلفاؤه. إلا أن هذا الهدوء السوري يقابله تحدٍ حقيقي ينبثق من الشمال والشرق؛ حيث ترفض تركيا، عضو الناتو الطموحة، وباكستان، العمق النووي السني، أن يكون ثمن خروج إيران من الصراع بعد ان دفعت الفاتورة الاكبر بتاريخ البشرية للدفاع عن قضية ليست قضيتها لوحدها، هو الهيمنة الإسرائيلية المطلقة. وفي ظل تحذيرات مدوية من داخل الكونغرس الأمريكي قادها النائب سيث مولتون من الانزلاق نحو "حرب أبدية" جديدة بدأت بشرارة شباط 2026، يجد العالم نفسه أمام مفارقة تاريخية: لقد أزاح ترامب "الاعتدال الشيعي" من الطريق، ليستيقظ على كابوس جديد يتمثل في تحالف "أنقرة-إسلام آباد"، وهو المارد الذي يمتلك الشرعية الدينية والقدرة النووية والرفض القاطع لسلامٍ لا يمنحه زعامة المنطقة وثرواتها.السر الذي لم تتمكن ايران من امتلاكه، يكمن في تركيا التي يحكمها تيار إسلامي سني قوي، التي رأت في انتهاء الدور الشيعي فرصة تاريخية لوراثة "الشارع الإسلامي". لقد حلت تركيا مكان إيران وحزب الله، ليس كـ "طائفة محاصرة"، بل كدولة كبرى تمتلك ثالث أكبر جيش في المنطقة، وقدرة فائقة على تحريك التيارات السنية، بما فيها حماس والشارع العربي، تحت راية شرعية دينية تفتقدها إيران. وتحالف تركيا باكستان وغدا تنضم اليهما افغانستان وبقية الدول العربية التي لا تملك خيار الاعتراض الذي كانت تمارسه ضد ايران، سيكون هذا القوس السني الصاعد، مدعوماً بـ "قنبلة ذرية" وشرعية ديموغرافية هائلة.بالمقابل فان مصر اليوم امام استحقاق صعب للغاية فهي تعاني ازمة اخوانية داخلية ونقمة شعبية صامتة وعزلة عربية بعد تقاعسها في غزة، لذلك تسعى من خلال الملف اللبناني الذي تعرض ان تكون فيه وسيطا ان يكون لها دورا للجلوس على الطاولة، لكن من يفاوض في واشنطن لن يقبل بان ينقل الملف الى مصر فيما يتعلق بالتفاوض اللبناني الاسرائيلي.وفرنسا كذلك الامر تشعر انها قد تفقد لبنان للأبد وآخر معاقل الفرنكوفونية، فتسارع عن الاعلان بدعم لبنان واعادة الاعمار، لكن دون ان تستفز واشنطن او تخرج عن شروطها فيما يتعلق بسلاح حزب الله ودوره في لبنان.اما اسرائيل فيقال انها ستجد نفسها مضطرة غدا للتفاوض بطريقة مختلفة مع قوى تمتلك الأرض والردع وتمثل ملياراً ونصف المليار مسلم عالميا.إن مشهد 2026 يخلص إلى حقيقة جوهرية: لقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير "الاعتدال الشيعي" ودوره الانساني حتى في حروبه، ولكن هذا "النصر الأمريكي" أدى إلى فتح "صندوق باندورا" الذي سيكون أشد وبالاً، وهذا ما يحذر منه الحزب الديمقراطي الأمريكي ويسعى لاسقاط ترامب قبل نهوض القومية الإسلامية السنية بقيادة تركية-باكستانية. لقد انتهى "دور الطوائف في الشرق الأوسط"، وحلت محلها "الامة الطائفة الكبرى"، حيث لا تواجه إسرائيل اليوم فصائل مسلحة في أنفاق غزة ولا كتلة شيعية لا تشكل خمسة بالمائة من العالم العربي، بل كتلة سنية تمتلك الشرعية الدينية والنووي.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة