كتاب واراء

تغريبة الشروكي

كتب رياض الفرطوسيفي قاع الذاكرة العراقية، لا يمثل الجنوب مجرد جهة، بل هو "المخزن الوجودي" الذي أنقذ المدنية من الاندثار حين استنفدت المدن الكبرى طاقتها على البقاء. إن محاولة وصم القادم من "الشرق" أو الجنوب بلقب "الشروگي" ليست مجرد تعبير عن استعلاء طبقي، بل هي آلية دفاعية تلجأ إليها "الأرستقراطية المدينية" المهزوزة التي تخشى من حيوية الهامش وقدرته الفائقة على التجدد.تاريخياً، لم يكن هؤلاء القادمون "غزاة" كما تروج السرديات الإقصائية، بل كانوا "فرق إنقاذ" بيولوجية وثقافية. ففي مطلع القرن التاسع عشر، حين تحولت بغداد إلى مدينة للأشباح بفعل تضافر الأوبئة الفتاكة والفيضانات التي جرفت نسيجها السكاني، كانت الهجرات الجنوبية هي "الدم الجديد" الذي ضُخ في عروق العاصمة اليابسة. هؤلاء الذين شيدوا "مدن القصب" حول المركز، لم يكتفوا بملء الفراغ الديموغرافي، بل نقلوا معهم عبقرية التعامل مع الأرض والمياه، محولين الحرف اليدوية والزراعة إلى فنون بقاء، بينما كان "الأفندية" يكتفون بمراقبة المشهد من خلف أسوارهم الافتراضية.إن "الشروگي" في العقل السياسي العراقي هو "المنسيُّ" الذي لا يُستدعى إلا في لحظات الخطر ليكون حطباً للحروب، لكنه يُنال منه لغوياً واجتماعياً في لحظات السلم. إن نظام "الأبارتايد" الذي فُرض على سكان الضواحي، من عزل في المصاهرة إلى التندر باللكنة، هو محاولة بائسة لإيقاف عجلة التاريخ. فالحقيقة السوسيولوجية تؤكد أن العواصم الكبرى عبر التاريخ، من لندن إلى برلين، هي كائنات حية تتنفس عبر الهجرة، وأن اللغة "النقية" هي كذبة كبرى؛ فما نعتبره اليوم "لهجة مدينية" هو في الأصل مزيج من لغات الأقليات القديمة والكلمات الدخيلة التي فرضها منطق الاختلاط.المفارقة تكمن في أن هذا "الهامشي" الذي يُراد له أن يبقى أجيراً أو حمالاً، هو ذاته الذي قاد التحولات الثقافية والسياسية الكبرى. فمن قلب المعاناة في ميسان والناصرية، ومن تحت سقف الصريفة، خرجت النخب الأدبية والفنية والفكرية التي أعادت تعريف الهوية العراقية. الصراع هنا ليس صراعاً بين "تحضر" و"بداوة"، بل هو صراع بين "قوة العمل" التي تمتلك الأرض، و"قوة الامتياز" التي تخشى زوال سلطتها.إن اللحظة الراهنة تفرض علينا الاعتراف بأن "تغريبة الشروگي" قد انتهت إلى حقيقة واحدة: الضواحي لم تعد أطرافاً، بل أصبحت هي المركز الذي يغذي الدولة بالهوية والاقتصاد والريادة. وتلك "الأقدام الثقيلة" التي شقت طريقها من الأهوار إلى شوارع العاصمة، لم تعد تطالب بمكان للجلوس، بل هي اليوم من يكتب فصل الختام في حكاية التراتبية الزائفة، مؤكدة أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بـ "الحسب والنسب"، بل بالقدرة على بعث الحياة في المدن التي يقتلها الركود.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد