كتاب واراء

لبنان على مشارف الزوال: نداء الواقعية التعاون مع الشيخ نعيم قاسم

*بقلم: ناجي علي أمهز*بعيدا عن كل ما يقال اليوم حول السلام مع اسرائيل، فالسلام الذي لم يتحقق طيلة 70 سنة، لن يحصل في عامين من عمر عهد ترامب.إن من يبتغي اليوم استنقاذ ما تبقى من الوطن، وتجنيب لبنان تجرع الكأس المرة التي تترنح بها منطقة الشرق الأوسط، عليه أن يدرك جيداً "سلم الأولويات" الوجودية. نحن لا نتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن زلزال يضرب الجغرافيا والتاريخ.إن الحديث عن "حذف لبنان عن الخارطة" ليس شطحاً من الخيال أو مبالغةً بلاغية، بل هو مشروع نضجت ظروفه. فمنذ عام 2018، حذرت من أن هناك دولتين تحملان "جينات الزوال" وهما فلسطين ولبنان، واليوم نرى المشهد يتجسد. ومع عودة "دونالد ترامب" لولايته الثانية، كما برزت تصريحات مبعوثه "توم باراك" حول ضم لبنان إلى بلاد الشام كجزء من إعادة رسم الهوية الإقليمية.لقد وضع الأمريكي لبنان أمام معادلة "مستحيلة": مكافحة الفساد ونزع سلاح المقاومة. والحقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تكن تبحث عن حلول سياسية، بل كانت تضع "شروطاً تعجيزية" تدرك يقيناً أن الخوض في أي منهما سيفجر الكيان من الداخل، تمهيداً لإعلان نهايته كدولة مستقلة. إن زوال لبنان ليس مجرد نزعة حقد، بل هو "ضرورة" للنظام العالمي لتصفية القضية الفلسطينية، ولإخماد "عدوى الديمقراطية والحريات" التي شكلها اللبنانيون كعقبة أمام سيطرة الحكام على شعوبهم في المشرق العربي.إن مشروع "لبنان الجديد" هو في الحقيقة مشروع لتوزيع سكانه على محميات إقليمية. فالمشروع الدولي يقضي بإنشاء "دولة فلسطين الجديدة" الممتدة من شمال الليطاني وصولاً إلى الناعمة، لتستوعب ملايين اللاجئين. وفي المقابل، يتم حشد الدروز في "وادي التيم" تمهيداً لنقلهم إلى السويداء لبناء كيان درزي مستقل يضم اليه دروز الجولان والداخل، لتصبح "طبريا" يهودية خالصة وفقاً للأعراف الدينية الإسرائيلية.وامام قيام دولة علوية في سوريا فحتما ستكون طرابلس تعويضا عن الساحل السوري، يمكنكم مراجعة مقالي الذي كتب قبل اسابيع من سقوط بشار الاسد، في: 4 – 11 – 2024 تحت عنوان "بحال هزمت المقاومة استيطان اسرائيلي سوري فلسطيني والشيعة الى العراق وقيام دولة علوية" هذا المقال كتب قبل اسابيع من سقوط بشار الاسد.اليوم ما كان البعض يظنه وهما اليوم اصبح حقيقة لا لبث فيها.أما المشهد الأكثر إيلاماً، فهو ما يُرسم لشيعة لبنان؛ إذ يقضي المشروع بترحيلهم نحو العراق وإيران، وهو ما يفسر رمزية زيارات قادة الاحتلال إلى الجنوب وتصريحاتهم من قلب القرى الحطيمة. إن ما كان يظنه البعض أوهاماً عام 2019 كتبت وتحدثت عنها "رابط الفيديو" (https://dai.ly/k13OjLX6rLWtrZF7x4g) ، تحول اليوم في عام 2026 إلى واقع دموي ملموس، خاصة بعد سقوط سوريا في أتون التحولات الكبرى، مما مهد الطريق لاستيطان إسرائيلي-سوري-فلسطيني على أنقاض الوجود الشيعي.حتى أولئك الذين يحلمون بكيان مسيحي مستقل، عليهم أن يدركوا أن هذا الكيان لن يكون سوى "محطة مؤقتة" لن تصمد لأكثر من عقد واحد. فبعد رحيل الشيعة، سيُترك المسيحيون لمواجهة أمواج من الاضطرابات والحروب الدينية التي قد تصل حد الإبادة، حيث سيتم تحريك تيارات راديكالية تحت ذريعة "نبش ثارات الماضي" ومجازر صبرا وشاتيلا، لتصوير المسيحيين كسبب لضياع فلسطين. إن "إسرائيل" مهتمة بعمق باقتلاع المسيحيين من المشرق، ليس فقط لأسباب سياسية، بل لأن الذهنية المسيحية هي المنافس الثقافي الاقتصادي والوجودي الوحيد لها في هذه المنطقة.تعيش الطائفة الشيعية اليوم حالة من "العزلة القاتلة" والانهيار الشامل. لقد وقعت الطائفة ضحية لفئتين أوردتاها المهالك:1. فئة "الوافدين الأيديولوجيين": توانسة جزائريين مصريين وغيرهم، من الذين استوردوا خطاباً غريباً عن البيئة اللبنانية، وذهبوا بعيداً في الضخ الإعلامي الذي قطع جسور التواصل مع الداخل والجو العربي مما حول الشيعة الى ضحايا خطاب اعلامي سياسي وهمي يدفع اليوم الشيعة ثمنه من "اللحم الحي".2. فئة ثانية: "هؤلاء هم الذين خرجوا من صلب البيت الشيعي، لكن أعماهم الجشع وسوء تقدير موازين القوة الحقيقية؛ فتوهموا أن الصعود إلى ضفاف (الطبقة المخملية) ومحاكاة الأرستقراطيات السياسية التقليدية لا يتطلب سوى مراكمة الثروات، وتشييد القصور المنيفة، واستعراض مظاهر البذخ والإسراف في الموائد والسيارات. لقد فات هؤلاء الذين انغلقوا على ذواتهم الغارقة في الترف، أن آليات الحكم وأدوات السلطة الحقيقية تختلف جذرياً عن بهرجة المظاهر الجوفاء.ورغم أن مسلكهم هذا قد يُعزى -سوسيولوجياً- إلى كونه انعكاساً لمرارات (الحرمان المدقع) الذي عانت منه الطائفة طويلاً، مما شكل لديهم ذهنيةً متعطشةً للتعويض؛ إلا أن هذا الاندفاع تحول إلى فوضى عارمة أصابتهم وأصابت الوجدان الشيعي في مقتل. واليوم، يقف أولئك الذين أرادوا حيازة كل شيء لأنفسهم على أطلال خساراتهم؛ فقد تلاشت أموالهم، وانهارت مؤسساتهم، وباتوا مطاردين في الأرض، محرومين حتى من التنعم بما جنوه. لقد كان الأحرى بهم أن يحصنوا أنفسهم عبر تدعيم طائفتهم بمقومات القوة المعرفية والمؤسساتية، لكنهم سقطوا في فخ (الارتقاء المتهور) والانتقال السريع من قاع العوز إلى قمة السلطة، ليدفعوا اليوم -ويدفع المجتمع معهم- ضريبة ذلك الانفصام عن الواقع."اليوم، يقف المجتمع الشيعي منهكاً؛ قرىً ممسوحة، اقتصاد متلاشٍ، ونزيف بشري هائل تجاوز 40 الف شيعي معظمهم من الشباب بين شهيد وجريح، وهم عصب الطائفة ومستقبلها. ورغم كل هذا الحطام، لا تزال الغالبية تعيش حالة من "التخدير" بفعل الشحن الاعلامي البعيد عن الواقعية السياسية.أمام هذا التيه الوجودي، يبرز سماحة الشيخ نعيم قاسم كضرورة وطنية وإقليمية لا بديل عنها. إن التعاون مع الشيخ قاسم، من قبل أركان الحكم والدول الأوروبية والنخب اللبنانية، هو السبيل الوحيد لاجتراح معجزة الإنقاذ.لماذا الشيخ نعيم قاسم؟• لأنه الوحيد القادر على "كبح جماح" الخطاب الإعلامي المتفلت وإعادته إلى سكة الواقعية.• لأنه يمتلك الحكمة لترميم الشروخ العميقة داخل الطائفة الشيعية وإعادة دمجها في نسيج المجتمع اللبناني والعربي.• لأنه يدرك حجم المعاناة التي تعيشها الطائفة ويعرف كيف يعالجها، وهو الوحيد القادر على ضبط الشارع الذي لم يستفق بعد من صدمة الدمار الشامل، والخطر الوجودي.الخلاصة:إن لبنان اليوم هو "الحلقة الأضعف" في صراع الأمم. والخيار الوحيد المتبقي لنا هو "الواقعية السياسية" والوحدة الوطنية الصادقة. يجب الاستفادة من دور الشيخ نعيم قاسم لترميم ما انكسر، فبدون هذا التعاون، لن يجد الشيعة أرضاً يبقون فيها، ولن يجد المسيحيون وطناً يحتمون به، وسيذكر التاريخ أننا أضعنا وطناً كان يسمى لبنان لأننا رفضنا قراءة الواقع كما هو.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد