كتاب واراء

التفاوض… بين كرامة الموقف وسقوط التنازل.

بقلم الدكتور محمد هاني هزيمة محلل سياسي خبير استراتيجي ليس التفاوض عيبًا في عالم السياسة، بل هو من صميم أدواتها، ووسيلة لا غنى عنها لإدارة الصراعات وتخفيف حدّتها. غير أنّ الإشكالية لا تكمن في مبدأ التفاوض ذاته، بل في شروطه وسياقه والذهنية التي يُدار بها. فالتفاوض حين يُخاض بوعيٍ وقوة، قد يكون سبيلًا لحفظ الحقوق وانتزاع المكاسب، لكنه حين يتمّ من موقع ضعف أو ارتباك، يتحوّل إلى بابٍ واسع للتنازل وخسارة ما لا يمكن تعويضه. فالتفاوض مع العدو ليس لقاءً عابرًا بين طرفين متخاصمين، بل مواجهة غير مباشرة، تُستخدم فيها اللغة بدل السلاح، لكنّها لا تقلّ خطورة عنه فالعدو لا يدخل طاولة التفاوض بنيّة تقديم الهدايا، بل يسعى لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، مستفيدًا من أي خلل في موازين القوى أو أي تصدّع في الجبهة الداخلية. من هنا يصبح لزامًا على الطرف الذي يفاوض أن يكون على درجة عالية من الجهوزية، لا فقط من حيث امتلاك الأوراق والملفات، بل أيضًا من حيث وضوح الرؤية وثبات الموقف.ومن أبرز الأخطاء التي قد تقع فيها الدول أو الشعوب، أن تدخل التفاوض وهي مثقلة بالخوف، أو منقسمة على نفسها. فالانقسام الداخلي يُضعف الموقف التفاوضي، ويُفقده صدقيته، ويمنح الطرف الآخر فرصة للضغط والمناورة. وعندما يغيب الإجماع الوطني، يصبح القرار عرضة للتجاذبات، وتتحوّل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي بدل أن تكون أداة لحماية المصالح العليا ولا يقلّ خطرًا عن الانقسام، ذهنية التنازل المسبق، أو القبول بتقديم "تنازلات صغيرة" على أمل تحقيق مكاسب لاحقة. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي تُظهر أنّ التنازل، مهما بدا محدودًا، يفتح شهية الطرف الآخر للمزيد، ويؤسس لمسارٍ من التراجع التدريجي. فالأرض، على سبيل المثال، ليست مجرّد مساحة جغرافية، بل هي هوية وانتماء وذاكرة، والتفريط بأي جزء منها لا يمكن تبريره تحت أي ظرف بالمقابل، لا يعني التمسّك بالحقوق الجمود أو رفض الحوار، بل يعني إدارة التفاوض بذكاء ومسؤولية. فالتفاوض الناجح هو الذي يوازن بين الواقعية والثبات، بين المرونة في الوسائل والصلابة في الأهداف. وهو الذي ينطلق من فهم عميق لموازين القوى، دون أن يستسلم لها، ويُحسن استخدام كل عناصر القوة المتاحة، سواء كانت سياسية أو شعبية أو معنوية. تصب في صميم الكرامة الوطنية التي ليست شعارًا يُرفع في الخطابات، بل معيار يُقاس في لحظات الاختبار، وعلى طاولات التفاوض تحديدًا. فهناك تُختبر الإرادة، وتنكشف النوايا، ويظهر الفرق بين من يفاوض ليحفظ حقوقه، ومن يفاوض ليبحث عن مخرجٍ سريع مهما كان الثمن. والكرامة هنا لا تعني التشدّد الأعمى، بل تعني عدم التفريط بالثوابت، وعدم القبول بما يمسّ السيادة أو ينتقص من الحقوق الأساسية ليقى حاضرا ان التفاوض يحتاج اولا إعدادٍ علمي ودراسة دقيقة لكل التفاصيل، فلا مكان للارتجال أو العشوائية بكل كلمة تُقال وكل بند يُناقش له تأثير طويل الأمد. لذلك، لا بدّ من الاعتماد على خبرات متخصّصة ورؤية استراتيجية واضحة تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر.وفي ظلّ عالم متغيّر، تتبدّل فيه التحالفات وتتقاطع فيه المصالح، يصبح التفاوض فنًّا معقّدًا، يتطلّب توازنًا دقيقًا بين الصمود والمرونة. غير أنّ هذا التوازن لا يمكن أن يتحقّق إلا بوجود قاعدة صلبة من الوحدة الداخلية، والثقة بالقدرات الذاتية، والإيمان بعدالة القضية.في الختام، يبقى التفاوض سيفًا ذا حدّين: إمّا أن يكون وسيلة لحماية الحقوق وتعزيزها، وإمّا أن يتحوّل إلى طريقٍ للتنازل وفقدانها والفيصل في ذلك ليس في التفاوض بحدّ ذاته، بل في من يفاوض، وكيف يفاوض، ومن أي موقع ينطلق فالأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالمواقف التي تقف خلفها، وبالإرادة التي لا تنكسر أمام الضغوط.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة