كتاب واراء

لن يقبل أهل الفطنة بالدعوات للهدنة ... بوصلة المواقف ...

كتب جليل هاشم البكاء في خضم الصراع المحتدم، لا تُقاس المواقف بسطحها الظاهر، بل بما تخفيه من حسابات دقيقة ومصالح متشابكة. ومن هذا المنطلق، فإن رفض إيران للدعوات المتكررة لإعلان هدنة مؤقتة، سواء لأيام معدودة أو لأشهر، لم يكن موقفًا عاطفيًا أو اندفاعيًا، بل قرارًا محسوبًا ينبع من قراءة عميقة لتجارب الماضي ومعطيات الحاضر.إن الهدنة، في سياق الحروب غير المتكافئة، لا تكون دائمًا بابًا للسلام، بل كثيرًا ما تتحول إلى فرصة يستثمرها الطرف الأضعف ميدانيًا لإعادة ترتيب صفوفه، ترميم خسائره، واستعادة أنفاسه قبل العودة إلى ساحة القتال بزخم جديد. وهذا ما تدركه طهران جيدًا، إذ تعلم أن خصومها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يطرحون الهدنة من باب الحرص الإنساني أو الرغبة الصادقة في إنهاء النزاع، بل بدافع الحاجة الاستراتيجية لإعادة التموضع.وفي المقابل، فإن القبول بهدنة مؤقتة قد ينعكس سلبًا على الداخل الإيراني، حيث تلعب الحماسة الشعبية والتماسك الداخلي دورًا محوريًا في استمرار المواجهة. فالهدنة قد تُفهم على أنها تراجع أو تنازل، ما يؤدي إلى فتور في الروح المعنوية، ويضعف الجبهة الداخلية التي تشكل الركيزة الأساسية لأي صمود طويل الأمد. ومن هنا، فإن الحفاظ على زخم التعبئة الشعبية يُعد جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية المواجهة.ثم إن التجارب التاريخية أثبتت أن الهدن المؤقتة كثيرًا ما تُستخدم كأدوات للمراوغة السياسية، أو كمخارج ذكية لإعادة صياغة المشهد بما يخدم الطرف المبادر بها. فقد تتحول إلى وسيلة لتمييع المطالب الجوهرية، وعلى رأسها وقف العدوان بشكل كامل، ورفع العقوبات، والحصول على تعويضات عن الأضرار. وفي مثل هذه الحالة، تكون النتيجة أن الطرف الذي قبل بالهدنة هو من يدفع الثمن، بينما يخرج الطرف الآخر بأقل الخسائر.إن الدعوات التي تُمرر عبر القنوات الدبلوماسية لا يمكن فصلها عن سياقها الأوسع، فهي تعكس بالضرورة حاجة ملحة لدى من يطرحها. سواء كانت هذه الحاجة لالتقاط الأنفاس، أو لتجنب تصعيد أكبر، أو حتى لإعادة ترتيب أوراق تفاوضية، فإن جوهرها يبقى مرتبطًا بمصلحة الطرف الداعي، لا بمصلحة الطرف المستهدف بها.لذلك، فإن الإصرار على وقف تام ونهائي للحرب، بدلًا من القبول بهدن جزئية ومؤقتة، يعكس رؤية استراتيجية واضحة، تقوم على أن الحلول المجتزأة لا تصنع سلامًا، بل تؤجل الانفجار. وأن أي توقف لا يُبنى على أسس عادلة وشاملة، إنما يحمل في طياته بذور جولة جديدة من الصراع.هكذا يفكر أهل الفطنة، الذين لا تنطلي عليهم عناوين براقة تخفي وراءها حسابات معقدة. فهم يدركون أن الهدنة التي تمنح العدو فرصة جديدة، قد تكون أخطر من استمرار المواجهة نفسها، وأن الثبات على الموقف، مهما كان مكلفًا، يبقى أقل كلفة من الوقوع في فخ استراحة مؤقتة تنتهي بخسارة استراتيجية.جليل هاشم البكّاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة