كتاب واراء

كلمة إلى العبقري قاسم جابر.. حين تصفعنا الكوميديا السوداء بمرآة الحقيقة

*بقلم: ناجي علي أمهز*منذ عام 2012، اتخذتُ قراراً حاسماً بالقطيعة مع شاشات التلفزة. بعد مراقبة طويلة لما يشبه "جوقة" من المحللين على فضائيات المحاور، أدركتُ أن الحقيقة لا تسكن هناك. اخترتُ الاستيطان في "القارة السابعة"؛ عالم الإنترنت وثورة المعرفة، حيث تمر بين يديّ شهرياً مئات الصفحات من الدراسات، وأمارس مهنتي بين دقة البرمجة وجمال التصميم، في مساحة تمزج بين العقل والإبداع.ثماني عشرة ساعة يومياً أقضيها خلف طاولتي الصغيرة، بين قهوة "وشاي" ونرجيلة لا تنطفئ، حتى يغلبني النعاس والتعب، كما انني في حوار دائم مع أصدقاء من مختلف المشارب الفكرية والدينية، ومع صديق جديد اسمه "الذكاء الاصطناعي". وفي خضم هذا الضجيج الفكري، نادراً ما يستوقفني محتوى يفرض نفسه عليّ.. لكن العبقري قاسم جابر فعل ذلك.بالأمس، قال قاسم كلاماً اخترق القلب؛ تحدث عن مرارة سخرية البعض من أبناء بيئته، وعن محاولات تقزيمه عبر مقارنته الساخرة بزياد الرحباني، أو النيل من شكله، أو رجمه بتهم لا تمت للنقد بصلة. وهنا، لا بد من وقفة صريحة، ولو كانت قاسية.بكل تجرد، لا يمكن التقليل من قيمة قاسم جابر. ومع حفظ المقامات، فإن ما يقدّمه اليوم يحمل طابعاً إعجازياً بالنظر إلى ظروفه. فزياد الرحباني وُلد في حضن "المعجزة" الفنية، ابن السيدة فيروز التي تنحني لعظمتها هامات الدول، وابن عاصي الرحباني اعمامه منصور والياس الذين طوّعوا الموسيقى كاساطير الالهة قديما. أما قاسم، فقد خرج من بيئة كادحة، ربما لم تكن الموسيقى أو المسرح جزءاً من يومياتها، لكنه انتزع موهبته من صخر الألم وينابيع الحرمان، وصنع لنفسه صوتاً ومسرحا لا يشبه أحداً. هذه العصامية والابداع والقدرة على انتاج الضحكة والبسمة ضمن هذه البيئة التي تعيش الالم والحزن، بيئة تدمر بيوتها يوميا وتقتل امام العالم، تجعل من فنه، يفوق التوقعات ويتفوق على كثيرين.أما التهجم على حياته الشخصية أو مظهره، فليس سوى انعكاس لأزمة نفسية وفكرية لدى من يمارسونه. فالإبداع لا يُقاس بالملامح مع ان شكله لبناني اصيل "قح"، رحم الله زمن كانت المجتمعات مثقفة وكان "شوشو" عند اللبنانيين اعظم من اعظم واشهر الممثلين بالعالم، لا يجوز التهجم عليه بسبب تصرفاته في حياته "انها حياته الخاصة". إن محاولة إسقاط المبدع بتفاصيل هامشية ليست نقداً، بل هي "اغتيال معنوي" أشد فتكاً من الرصاص.قاسم جابر يمثّل اليوم صوت "الكوميديا السوداء" الصادقة؛ تلك التي لا تضحكنا بقدر ما توقظنا. هو مرآة لوجعنا وتناقضاتنا، وهو بهذا المعنى، أكثر قيمة من "دجالي السياسة والإعلام" الذين استنزفوا العقول وهشموا مستقبل الطائفة. هذه الطائفة التي لولا دماء شبابها الذين يقفون بأجسادهم أمام الدبابات الإسرائيلية لكانت اليوم خارج التاريخ.الطائفة كما العالم تحتاج ان تتكامل بداخلها بكل انواع الطيف، وتستحق فناناً بصدق قاسم، يضحكنا ويبكينا ليطهر أوجاعنا، في زمن أبكانا فيه السياسيون وضحكوا علينا.وإليك يا قاسم أقول:لقد مررتُ قبلك بتجربة العزل والتشويه، وحاولت ماكينات إعلامية وأنظمة سياسية كبرى إلغائي، وقيل في حقي الكثير. لكنني تعلمت أن من ينسجم مع طبيعته لا يُهزم. بفضل الله، لأن الصدق أقوى من الزيف.اخبرك لتستمر كما استمريت انا، قبل عقود عندما قررت ان ادخل المجهول حيث كنت غريبا وحيدا بين اعقد الانظمة الفكرية عالميا التي لم يصلها شيعي عربي منذ 350 سنة، واليوم اعتبر مرجعا بحثيا عالميا فيه، في النهاية الحقيقة تثبت نفسها.لذلك يا صديقي، لا تنشغل بمن يحاول كسر موهبتك، بل ثبّت موقعك أكثر. استمر في تهكمك وسخريتك اللاذعة، وحاول ان تبدع اكثر روحك تستحق ان تبدع، فأنت تشبه البلبل الذي يغرد تحت أزيز الطائرات، تحرس المساحة النفسية للناس وسط الخراب. ارتقِ بصدقك، ولا تنجر إلى معارك صغيرة يحدد الآخرون ملعبها. قوتك في أنك تقول ما تؤمن به، لا ما يُطلب منك قوله.استمر، فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالسياسة، بل بالفن والكلمة والقدرة على تحويل الألم والموت الى حياة جديدة. أنت لست مجرد ممثل.. أنت مبدع من مبدعي الكوميديا السوداء في زمن السواد المطبق.بالختام ارجو ان تصلك رسالتي، متمنيا لك المزيد من التوفيق والنجاح.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة