المجتبى… الذي تسلّم رايةً مخضّبةً بالدماء
بقلم : أمين السكافي. لم تكن اللحظة التي تسلّم فيها المجتبى زمام القيادة لحظةً عابرة في سجل التاريخ، بل كانت فاصلةً بين زمنين: زمن الترقب والاحتمال، وزمن الفعل والانفجار. جاء في وقتٍ اشتدّت فيه العواصف، وتكاثرت فيه التحديات، وتقاطعت فيه السهام على صدر الأمة، فكان حضوره أشبه بجوابٍ قدري على سؤالٍ طال انتظاره.وُلد المجتبى في بيتٍ لم يكن عادياً، بل كان بيتاً تُصاغ فيه الأفكار كما تُصاغ المصائر. في كنف الإمام الذي حمل همّ الأمة عقوداً، تشكّلت ملامح وعيه، وتكوّنت رؤيته للعالم. هناك، لم يكن التعلم نظرياً، بل كان معايشةً يوميةً لثقل المسؤولية، واحتكاكاً مباشراً بقضايا كبرى على رأسها فلسطين، تلك القضية التي لم تكن يوماً بنداً سياسياً، بل عقيدةً راسخة في وجدان الثورة.أما روح الله الخميني، فقد كان الحاضر الغائب في تكوينه، المثال الأعلى الذي جسّد فكرة التمرّد على الظلم، والوقوف في وجه الطغيان مهما بلغت كلفته. من ذلك المعين، نهل المجتبى روح الثورة، وتعلّم أن العدالة ليست شعاراً، بل مشروعاً يحتاج إلى إرادةٍ لا تلين. تشرب من الخميني صلابته، ومن والده حكمته، فاجتمع فيه وهج البدايات وهدوء الاستمرارية.لم يكن انخراطه في الحرس الثوري مجرد خيارٍ عسكري، بل كان إعلان انتماءٍ إلى خطٍ كامل. هناك، في ميادين القتال خلال الحرب مع العراق، تعرّف إلى الوجه الحقيقي للصراع، واختبر معنى التضحية، وبنى شبكة علاقاتٍ لم تكن عابرة، بل رفاق دربٍ حملوا معه لاحقاً مشروعاً كاملاً. تلك التجربة صقلته، وجعلت منه رجلاً يعرف الحرب لا من خرائطها، بل من دخانها ودمائها.وحين تسلّم القيادة، لم يكن غريباً أن يبدو الرقم الأصعب في معادلةٍ معقّدة. فقد حمل في داخله ثورية الخميني التي لا تعرف المساومة، وهدوء والده الذي يجيد إدارة التوازنات. جمع بين الحسم حين يجب الحسم، والصبر حين يكون الصبر سلاحاً. لم يندفع، ولم يتراجع، بل سار بخطى محسوبة نحو إعادة تشكيل المشهد.في إدارته للصراع، بدا وكأنه يقود أوركسترا متعددة الجبهات، حيث تتناغم الساحات رغم تباعدها. من فلسطين إلى لبنان، ومن اليمن إلى العراق، كان هناك خيطٌ ناظم يربط الإيقاع، حتى ليخيّل للمتابع أن القرار يصدر من عقلٍ واحد. لم يكن ذلك محض صدفة، بل نتيجة رؤيةٍ تعتبر أن المعركة واحدة وإن تعددت ميادينها.أما الولايات المتحدة والكيان الغاصب، فقد شكّلا في عهده محور المواجهة الأوضح. لم يكن غضبه انفعالاً، بل موقفاً مبنياً على تراكماتٍ من الدم، وخصوصاً دماء غزة التي تحوّلت إلى وقودٍ لمرحلةٍ جديدة. في تلك اللحظات، بدا المجتبى كمن يحمل ثأر أمة، لا كقائد دولةٍ فحسب، فارتفعت وتيرة المواجهة، واتسعت رقعتها، ضمن حساباتٍ دقيقة تجمع بين الردع والتصعيد.تميّز المجتبى أيضاً بصفاتٍ ورثها وتبنّاها؛ فكان زاهداً في شخصه، صارماً في قراره، عميقاً في قراءته، قليل الكلام كثير الفعل. لا تغريه الأضواء، ولا يستعجل النتائج، بل يعمل بصمتٍ طويل النفس، كما يفعل من يعرف أن المعارك الكبرى لا تُحسم في يومٍ أو عام. فيه من الخميني شجاعته في كسر القيود، ومن والده بصيرته في إدارة الزمن.هكذا، لم يكن صعوده مجرد انتقالٍ في السلطة، بل استمراراً لنهجٍ متكامل، وتحوّلاً في أسلوب المواجهة. وبين رايةٍ خُضّبت بدماء الشهداء، ويدٍ تمسك بها بثبات، يمضي المجتبى في كتابة فصلٍ جديد، عنوانه أن الثورة ليست حدثاً من الماضي، بل مسارٌ مفتوح على كل الاحتمالات
أضيف بتاريخ : 2026-04-04 11:43:30 |