بعد صلب يسوع وذبح الحسين… نحن بحاجة إلى السلام
*بقلم: ناجي علي أمهز*قبل ربع قرن، في زمنٍ كانت فيه النخب تُشبه "الجزر المعزولة"، لكل جزيرة لغتها وفلسفتها وثقلها الفكري الذي لا يُلقى على العامة، بل يُحفظ كأمانة في صدور العارفين؛ سمعتُ ذات يوم خطيباً من أولئك الذين يتقدّمهم العمر وتسبقهم التجربة. كان قد تجاوز السبعين، لكن صوته بقي فتياً كأنه لم يتلوث بسموم السياسة، أو تهزمه التبعية العمياء.قال الخطيب حينها:"أذكر اللحظة الأولى التي تعلّم فيها عقلي أن يفرّق بين الخوف والأمان، بين الفرح والحزن. أذكر دهشتي حين كان كاهن الرعية يحدّثنا عن صلب يسوع. لم نكن نصدّق؛ كنا نظنها حكاية من خيال، لأن براءة الطفولة كانت ترفض أن يعذّب إنسانٌ إنساناً آخر حتى الموت، فقط لأنه أراد عدالةً أوسع وسماءً تتّسع للجميع. كبرنا، وكبر السؤال معنا: لماذا صُلب يسوع؟ وكان الجواب أبسط من أن يُقنع وأقسى من أن يُحتمل: لأن الخير، في كل زمن، له أعداؤه".ثم انتقل الخطيب من الحكاية إلى الفكرة، ومن الوجدان إلى التاريخ، فاستحضر ما كُتب في هذا الشرق عن نزعات السيطرة والتملّك، مستشهداً بتحذيرات كبار المفكرين أمثال: ميشال شيحا، وشارل مالك، وجبران تويني (الجد)، أولئك الذين صنعوا وجداناً سياسياً وفكرياً قبل عقود. وختم بجملة بدت كأنها خلاصة عُمر:"إن المسيحية في عمقها لم تنتصر لمظلومية يسوع كجسدٍ فقط، بل انتصرت لصوته الذي دعا إلى محبة المبغضين، وهذا في ذاته أعظم انتصار روحي للكنيسة".لكنه أضاف، وفي صوته ظلّ قلقٌ لم يهدأ:"الخطر ليس في قتل يسوع مرة واحدة، بل في قتل رسالته كل يوم، حين يُزجّ أتباعه في حروبٍ لا تنتهي، في محاولة لإسقاط فكرته الإنسانية التي صلب وقُتل لأجلها".يومها، رفع أحد الحاضرين "نقش: كُتب عليها: "الإسلام ينفي صلب يسوع".توقّف الخطيب قليلاً، ثم قال بهدوء:"ليست القضية هنا إثباتاً ماديّاً أو نفياً تاريخيّاً، بل كيف نفهم دلالة الحدث. فالتاريخ حين يدخل ساحة الإيمان يصبح مادةً للتأويل بقدر ما هو مادة للذاكرة. أما مسألة نفي الإسلام لصلب يسوع، فلن أدخل في تفاصيلها إدراكاً لضيق المقام، لكن لا بد من التذكير بأن هذا النفي لم يأتِ في فراغ، بل في سياق ردّ حاسم على تفاخر بعض اليهود بقتل المسيح، فجاء الردّ: (لم تقتلوه، بل شُبّه لكم)".غير أن هذا النفي، يفتح الباب أمام تساؤلات فلسفية: " وانا لا اتحدث من باب العقيدة"، بل كمسألة فكرية خاضتها أيضًا الكنيسة في مراحل مختلفة، حين ظهرت قراءات مسيحية تُبرّئ اليهود من دم المسيح، وتسأل: لماذا هذا التبرئة؟ ولأي غاية؟ لماذا سعت قراءات معينة عبر التاريخ لتبرئة القتلة الذين اعترفوا بكتبهم.ثم طرح الخطيب سؤالاً استشرافياً: "هذه الآية نزلت قبل غزوة خيبر بأعوام، فكيف كان سيكون وقعها على اتباع نبي الاسلام، لو أنها نزلت بعد التجربة الصعبة والصدام مع اليهود في تلك الغزوة؟".وختم بالقول:"ما يهمّنا في النهاية هو (الفكرة)؛ فيسوع بعد 2000 سنة يتبعه المليارات، مما يعني أن المظلومية تحولت إلى طاقة كونية، بينما الذين قتلوه لم يتجاوز عددهم ملايين قليلة، وهم منبوذين رغم قوتهم وسيطرتهم".انتهى نص ما تذكرته من تلك الندوة.. أما اليوم:ونحن نرى مشاهد الدم في غزة ولبنان، يعود السؤال نفسه، ولكن بوجهٍ أشدّ قسوة:كيف يستطيع الإنسان أن يعتاد القتل؟ كيف يصبح الألم خبراً عابراً؟ وكيف تتحوّل المأساة إلى مشهدٍ يومي لا يوقظ الضمير؟إن ما نشهده لم يعد مجرد صراع سياسي، بل هو اختبارٌ نهائي لإنسانية الإنسان. فحين تُقصف المستشفيات، وتُهدم دور العبادة، ويُقتل الأطفال بلا حساب، لا يعود السؤال سياسياً، بل يصبح وجودياً: هل ما زلنا بشرًا؟ولأن الذاكرة في هذا الشرق "مزدوجة الجرح"، فإن صورة يسوع لا تنفصل في وعينا عن صورة الحسين. فكما لم يصدّق طفلٌ يوماً أن يُصلب إنسانٌ لأنه دعا إلى المحبة، لم يصدّق طفلٌ آخر أن يُذبح حفيد نبيٍّ على يد من يدّعون أنهم من أمّته.لكن المأساة في جوهرها ليست في وقوع الجريمة فحسب، بل في "قابلية تكرارها".ثمة من يراهن على القوة المادية، وثمة من يراهن على الروح. والحقيقة التي أثبتها التاريخ أن الدم لا يؤسس نصراً دائماً، وأن المظلومية حين تُفهم تتحوّل إلى قضية لا تموت. فيسوع الذي شهد صلبَه عشرات، صار رمزاً لمليارات؛ والحسين الذي قُتل وحيداً في صحراء، صار ضميراً للأحرار. فكيف بعالمٍ يشهد اليوم، بالصوت والصورة، على مآسٍ يراها المليارات لحظة وقوعها؟ليس المطلوب أن نعيد كتابة التاريخ، بل أن نُدين الفعل الإجرامي المتكرر. ففي كل شعبٍ عقلاء، وفي كل أمة من يستطيع أن يقول: "كفى للحروب". وإذا كان في العالم عباقرة ومفكرون، فإن مسؤوليتهم اليوم ليست "تفسير" ما يجري، بل "إيقافه"؛ لأن الفكر إن لم يتحوّل إلى موقف أخلاقي، يصبح صمتاً متواطئاً في زمن المأساة.بعد صلب يسوع…وبعد ذبح الحسين…وبعد كل هذا الدم الذي غطى وجه الأرض، خاصة مشرق الانبياء..لم يعد أمام البشرية خيارات؛ إما أن تتعلّم السلام الحقيقي والعادل، أو أن تعترف بأنها لم تتعلّم شيئاً من تاريخها الأليم.
أضيف بتاريخ : 2026-04-03 16:09:17 |