كتاب واراء

إن لم تستحِ فقل ما شئت… أو افعل ما شئت

بقلم : أمين السكافيليست هذه العبارة مجرد حكمة مأثورة تُتداول في المجالس، بل هي اليوم مرآة تعكس واقعًا لبنانيًا متشظيًا، بلغ من التناقض حدًّا يجعل العاقل يقف حائرًا أمام مشهدين لا يجتمعان إلا في هذا الوطن الذي اعتاد أن يكون ساحةً لكل ما لا يُفهم.في لبنان، لا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليُدرك أنه أمام معادلة عبثية: ميدان يكتب بدمائه ملحمة صمود، وداخل سياسي يكتب بلسانه فصولًا من التيه والانفصال عن الواقع. ومن هنا تبدأ الحكاية.على تخوم الجنوب، حيث الأرض تُروى بعرق الرجال قبل دمائهم، يخوض مقاتلون لبنانيون منذ أكثر من شهر قتالًا شرسًا في مواجهة آلة الحرب الصهيونية. ليست مواجهة تقليدية، بل صراع غير متكافئ بين إرادة صلبة وبين ترسانة مدججة بأحدث ما أنتجته مصانع الموت في البر والبحر والجو. ومع ذلك، يقف هؤلاء الشباب بثباتٍ يكاد يلامس الأسطورة.هم لا يدافعون فقط عن قرى على الحافة الأمامية، بل يحمون ما تبقى من كرامة وطنٍ اعتاد أن يُختبر في كل حين. يواجهون الدبابات بصدورهم، ويلاحقون الآليات بإرادة لا تنكسر، ويصنعون من قلة الإمكانات قوةً تُربك العدو وتُفاجئه. حتى باتت جبهات الشمال في فلسطين المحتلة تحت وطأة ضرباتهم، في مشهدٍ لم يكن في حسبان العدو ولا حتى بعض الأصدقاء.إنها معركة تُدار بعقول ميدانية وخبرات تراكمت خارج الأكاديميات العسكرية، لكنها أثبتت أنها قادرة على إعادة تعريف قواعد الاشتباك. صمودٌ يُسجل لحظةً بلحظة، وخسائر تُلحق بالعدو على مرأى من إعلامه قبل إعلامنا.لكن، وهنا المفارقة التي تليق بلبنان، بينما يُكتب هذا المجد على الجبهة، يُكتب على الضفة الأخرى من الوطن خطابٌ سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية.في الداخل، لا يرى بعض السياسيين أبعد من حدود حساباتهم الضيقة. بدل أن يرتفع صوتهم تأييدًا لصمودٍ يحمي الوطن بأكمله، ينشغلون في اجترار شعارات مستهلكة، وكأنهم يعيشون في بلدٍ آخر. أحدهم يخرج على الشاشات مطالبًا بـ«نزع سلاح المقاومة فورًا»، وكأن المعركة الدائرة لا تعنيه، أو كأن الحدود تُحمى بالبيانات لا بالتضحيات.وآخر، بنبرة لا تخلو من استخفاف، يدعو إلى «فتح باب المفاوضات مهما كانت الظروف»، متناسيًا أن التفاوض تحت النار ليس إلا استسلامًا مغلفًا بعبارات دبلوماسية. وثالث، يذهب أبعد من ذلك، حين يطالب بـ«ملاحقة قادة المقاومة قانونيًا»، في مشهدٍ يكاد يُصنف ضمن العبث السياسي، حيث يُكافأ المدافع ويُساوى بالمعتدي.أي منطق هذا الذي يجعل من يقاتل دفاعًا عن الأرض متهمًا، ومن يلوذ بالصمت أو التنظير بطلاً؟ أي بوصلة هذه التي فقدت اتجاهها حتى لم تعد تميز بين الخطر والحماية؟يا سادة، السياسة ليست ترفًا لغويًا ولا منصةً لترديد ما يُملى من الخارج. السياسة موقف، ووعي، وقدرة على قراءة الميدان قبل إطلاق الأحكام. فمن لا يرى ما يجري على الحدود، ولا يسمع ما تقوله حتى وسائل إعلام العدو عن حجم الخسائر والارتباك، فليُراجع بصيرته قبل بصيرته السياسية.إن ما يُسطره شباب لبنان اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو اختبار حقيقي لمعنى الانتماء. وبين من يدفع دمه ثمنًا للثبات، ومن يدفع كلماته ثمنًا للانفصال عن الواقع، يتجلى الفارق.وهنا، تعود العبارة لتفرض نفسها بقسوة: إن لم تستحِ فقل ما شئت… أو افعل ما شئت. أما العتب، فقد سقط منذ زمنٍ لم يعد فيه الحياء جزءًا من المعادلة السياسية في لبنان


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة