إيران ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد بريشة “فتّاح وخورمشهر
كتب إسماعيل النجار،إيران ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد بريشة “فتّاح” و”خورمشهر”، فيما تقف الولايات المتحدة على تخوم بلاد فارس تُشيّع ما تبقّى من سطوتها السياسية والعسكرية.مشهدٌ مُذهل يتبدّل بسرعةٍ غير مسبوقة، حيث تدخل الجمهورية الإسلامية عام 2027 بثوبٍ إقليمي مختلف، مزدانٍ بألوان الزعفران ورايةٍ ارتفعت في ساحات الصراع لا في قاعات التفاوض.*في المقابل، تبدو المنطقة وكأنها تستعد لطيّ صفحةٍ ثقيلة من تاريخها، صفحة الحضور العسكري الأميركي الممتد على رمال الصحراء، والذي خلّف وراءه أزماتٍ وصراعاتٍ وانقسامات لا تزال آثارها حيّة في الذاكرة السياسية للشعوب. عالمٌ عربي يترقّب، بعضه بقلقٍ بالغ، وبعضه الآخر بقدرٍ من الرهان على تحوّلاتٍ كبرى قد تعيد رسم موازين القوة.*الحرب التي اشتعلت لم تكن، في جوهرها، سوى انعكاسٍ مباشر لتقاطعات المصالح الأميركية الإسرائيلية، حيث اندفعت واشنطن لتكريس أمن “تل أبيب” وتلبية حسابات بنيامين نتنياهو، ولو على حساب استقرار المنطقة بأكملها. وفي خضم هذا المشهد، جرى تسويق الصراع على أنه دفاعٌ عن أنظمة الخليج في مواجهة إيران، رغم أن الوقائع لم تُثبت يوماً أن طهران بادرت يوماً إلى القيام باعتداء مباشر يهدد أمنها القومي.*ورغم حجم الدمار الذي أصاب إسرائيل جرّاء الضربات الصاروخية الإيرانية، والتي طالت بنى عسكرية وأمنية واقتصادية حساسة، فإن “تل أبيب” بدت أقل اكتراثاً بالخسائر، مستندةً إلى وعودٍ خليجية بإعادة الإعمار والتعويض الكامل. وإذا ما ثبتت هذه المعطيات، فإنها تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول طبيعة الأدوار التي لعبتها بعض الأنظمة الخليجية في إشعال فتيل المواجهة، بل وتحوّلها إلى شريكٍ غير مباشر في قرار الحرب الجائر.*في واشنطن، بدا المشهد أكثر ارتباكاً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلف مكتبه في البيت الأبيض، أطلق سيلًا من التصريحات المتناقضة التي أربكت حتى أقرب المتابعين لنهجه السياسي. مرةً يتوعّد بسحق إيران، ومرةً يلوّح بالتفاوض، وأحياناً يعلن تحقيق “نصرٍ كامل” لم تتضح معالمه على الأرض. هذا التناقض لم يعد مجرد أسلوب تفاوضي، بل تحوّل إلى عامل قلق حقيقي بشأن اتجاهات القرار الأميركي.*ضمن هذا السياق، يتحدث مراقبون عن نمطٍ ثابت في سلوك ترامب يقوم على “سياسة الصدمة والتصعيد”، حيث يعتمد على رفع سقف التهديد إلى أقصى حد، قبل العودة إلى طاولة التفاوض بشروطٍ مختلفة. هذا الأسلوب، الذي استُخدم سابقاً في ملفات كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا، يحمل في طيّاته مخاطر الانزلاق إلى مواجهاتٍ غير محسوبة، خصوصاً حين يقترن بقراراتٍ عسكرية سريعة أو ضغوط داخلية تدفع نحو التصعيد.*غير أن نتائج هذه السياسة في الحالة الإيرانية جاءت معاكسة للتوقعات. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حربٍ مكلفة سياسياً واقتصادياً، أدّت إلى اضطرابٍ في أسواق الطاقة العالمية، وانعكست بشكلٍ مباشر على الداخل الأميركي عبر ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية.*في الوقت ذاته، شهدت العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين تراجعاً ملحوظاً، حيث أبدت عواصم كبرى تحفظاتٍ متزايدة على النهج الأميركي، ما انعكس تباعداً بين واشنطن وحلفائها داخل حلف الناتو وأضعف تماسكه. هذه التطورات مجتمعة أسهمت في تآكل صورة الولايات المتحدة كقوةٍ مهيمنة، وفتحت المجال أمام قوى دولية أخرى لإعادة تموضعها على الساحة العالمية.*أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن استمرار الضغوط العسكرية وتصاعد وتيرة الاستهدافات يضع الوجود الأميركي أمام تحدياتٍ جدية، في ظل إصرار إيراني واضح على إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلاتٍ جديدة، عنوانها إنهاء النفوذ الأميركي في المنطقة.*وعالمياً، تزداد المخاوف من أن أي انزلاق نحو استخدام أسلحة غير تقليدية قد يفتح الباب أمام ردود أفعال متسلسلة من قوى كبرى، قد يحوّل النزاعات الإقليمية إلى أزمة دولية مفتوحة، تتجاوز حدود السيطرة.*في ضوء كل ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تقييم المسارات الحالية، خصوصاً في واشنطن، حيث بات ضبط إيقاع القرار السياسي والعسكري ضرورةً لتفادي انزلاقاتٍ خطيرة قد لا تقف عند حدود الشرق الأوسط.*إن المنطقة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ مع إرادات الشعوب، وتُعاد صياغة التوازنات على وقع الصواريخ والدبلوماسية معاً. وما بين صعودٍ إقليمي لطهران وتراجعٍ نسبي للدور الأميركي، يبقى السؤال مفتوحاً؛ هل يتجه العالم نحو تسوياتٍ عقلانية، أم نحو جولاتٍ جديدة من الصراع؟الإجابة، على ما يبدو، لا تزال رهينة القرارات التي تُتخذ في لحظات التوتر، حيث قد يرسم قرارٌ واحد ملامح مرحلةٍ كاملة من تاريخ المنطقة.
أضيف بتاريخ : 2026-04-03 11:12:18 |