كتاب واراء

إسلام آباد تعيد خلط الأوراق: هل يتشكل نظام إقليمي جديد خارج المظلة الأمريكية؟

بقلم : أمين السكافي ما يجري في العاصمة الباكستانية إسلام آباد لا يمكن اختزاله في إطار اجتماع دبلوماسي عابر، بل هو تطور يحمل في طياته مؤشرات على تحولات أعمق في بنية التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالتقارير الإعلامية والتحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث دولية تشير إلى تنامي أدوار قوى إقليمية تسعى لاحتواء التصعيد وفتح قنوات تواصل غير تقليدية، في ظل حالة إنهاك تعانيها الأطراف المنخرطة في الصراع.وفق معطيات متقاطعة من وسائل إعلام دولية، برزت باكستان كفاعل دبلوماسي نشط في الآونة الأخيرة، خصوصًا في ما يتعلق بتسهيل التواصل غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الدور، وإن لم يُعلن رسميًا بتفاصيله الكاملة، ينسجم مع سياسة إسلام آباد التقليدية القائمة على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف، بما في ذلك طهران وواشنطن على حد سواء. وقد أشارت تقارير إلى أن قنوات خلفية تُستخدم بالفعل لتبادل الرسائل، في محاولة لخفض التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.أما على صعيد الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق الطاقة عالميًا، فقد شهدت المرحلة الأخيرة مؤشرات تهدئة نسبية، مع استمرار مرور السفن بشكل طبيعي نسبيًا رغم التوترات. ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن “اتفاق جديد”، فإن مراقبين يرون أن وجود وسطاء إقليميين ساهم في تجنب سيناريوهات التصعيد الخطير التي كانت متوقعة، خاصة في ظل حساسية هذا الممر الاستراتيجي.اللافت في هذه التحركات هو التنسيق غير المعلن بين أربع دول تُعد تقليديًا ضمن دائرة الحلفاء أو الشركاء للولايات المتحدة، وهي السعودية وتركيا ومصر وباكستان. هذا التنسيق، حتى وإن لم يصل إلى مستوى “تحالف رسمي”، يعكس توجّهًا متزايدًا نحو تبني سياسات أكثر استقلالية، خصوصًا في إدارة الأزمات الإقليمية، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.في الخلفية، تحضر الصين كلاعب مؤثر، وإن بشكل غير مباشر. فبكين، التي عززت حضورها الدبلوماسي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد رعايتها الاتفاق بين السعودية وإيران عام 2023، تواصل دعم الاستقرار الإقليمي عبر أدوات اقتصادية وسياسية، دون الانخراط في صراعات مفتوحة.بالنسبة لإسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فإن هذه التحولات تمثل تحديًا استراتيجيًا. فبدل أن تتجه المنطقة نحو استقطاب حاد أو صراع مفتوح، كما كان يُخشى، تظهر بوادر مسار مغاير يقوم على احتواء التصعيد وفتح قنوات التفاوض. هذا الواقع يقلص من فرص توظيف التوترات لصالح مشاريع توسعية أو لإعادة تشكيل التحالفات وفق رؤية أحادية.كما أن استمرار الحرب دون حسم واضح، وتحولها إلى حالة استنزاف، يفرض ضغوطًا متزايدة على جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، التي تجد نفسها أمام بيئة إقليمية أقل قابلية للانجرار إلى مواجهة شاملة.في المحصلة، ما يحدث اليوم لا يرقى بعد إلى إعلان نظام إقليمي جديد مكتمل الأركان، لكنه بلا شك يشير إلى بداية مسار مختلف، تتزايد فيه أدوار القوى الإقليمية، وتتراجع فيه الهيمنة الأحادية. إنها مرحلة انتقالية، عنوانها الأبرز: تعددية في القرار، وتوازنات قيد التشكل، قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط في السنوات القادمة


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة