كتاب واراء

طهران.. مشكلة نووية أم عقدة خليجية!

د. فاضل الشرقي. ١٣ شوال ١٤٤٧هـ الموافق: 1/ 4/ 2026م. منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية وإلى اليوم، برزت إيران كدولة إسلامية حضارية تسير في ركاب العلم والمعرفة، وطريق التقدم والازدهار، والمنافسة التقنية والتكنولوجية. ومنذ انطلاقة مسيرتها الثورية استطاعت تحقيق إنجازات مذهلة، التي لولا تأثير العقوبات والضغوطات الأمريكية والغربية والعربية لوصلت إلى مستويات أهم وأعلى. لم تثن العقوبات طهران عن مواصلة مشوارها العلمي وسيرها في طريق الحضارة والتقدم، فها هي اليوم تعدّ من أقوى دول المنطقة تطورا وازدهارا بقدراتها وجهودها الذاتية، وبطاقات وخبرات علمائها وشبابها المبدعين، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في أغلب المجالات.لا أريد —هنا— التركيز على أزمة البرنامج النووي، لأنه شأن دولي أكثر منه إقليمي، ولا عن تقدم طهران العسكري، ولا المنافسة في علوم الفضاء والأقمار الصناعية والتكنولوجيا، فلا مجال للمقارنة هنا إلا مع الدول الكبرى. إنما عن تقدمها العلمي والمعرفي والبحثي والتقني؛ وإنجازها الصناعي والاقتصادي والزراعي والصحي والإنتاجي؛ والإبداع والابتكار الإيراني الخالص. الذي أعتقد أنه من أهم الأسباب الرئيسية لإثارة سخط دول المنطقة والجوار ضدها بدعوى الغيرة والمنافسة الممزوجة بأبعاد أيديولوجية، وعقد مذهبية وطائفية تغذيها قوى الهيمنة والنفوذ الدولية.نستطيع القول بأن طهران حققت نموذجاً إسلامياً حضارياً مشرقاً ومتميزاً ومزدهراً، رغم كل الضغوطات والعقوبات. مقارنة بغيرها من الدول العربية والإسلامية، وعلى وجه الخصوص جوارها العربي الخليجي، الذي يتمتع بعلاقات حرة وواسعة مع كل دول العالم، ويمتلك المال والثروة والموارد، والاقتصاد القوي دون أي قيود أو ضغوطات وعقوبات.من بين كل هذا الركام نهضت إيران وازدهرت بحريتها وإرادتها وجهودها الذاتية، وحققت تقدماً بارزاً ونماءً شاملاً، في هذا الجوار المتخم بالمال والثروة وكل مقومات التنمية الشاملة. إلا أنه —وللأسف— لا يزال يعاني من الضعف والفشل والإخفاق العلمي والمعرفي والحضاري. ولذا رأى في تقدم طهران وازدهارها إهانة وإذلالا له، ومنافسا قويا لا يستهان به؛ أمام هشاشته وضعفه وعجزه عن منافسة طهران أو اللحاق بها، الأمر الذي أصابه بعقدة النقص والاحتقار الذاتي. فسعى لتبرير هذا الفشل والإخفاق وتعويضه بالعداء لإيران، حتى غدا لا يطيق ذكرها، ولا يتحمل ازدهارها ونهضتها، في حين يعتمد كليا على أمريكا والغرب، حتى فيما يتعلق بأمنه ووجوده وبقائه.الملاحظ أنه ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، سعت أمريكا والدول الغربية لكبح جماح نهضتها العلمية والحضارية، وضغطت للحد من قدراتها البحثية والمعرفية، وحضورها التقني والتكنولوجي، وعملت على إضعافها بكل الطرق والوسائل. وفي هذا الموقع تموضعت دول الخليج العربي وتحالفت لإضعاف طهران وإسقاطها. واعتبرتها العدو اللدود الذي يجب معاقبته وإضعافه، ومنع تمكنه من استغلال ثرواته وموارده، وعرقلة سيره في طريق التقدم والإزدهار، لئلا يتفوق ويتقدم عليها ويكون الأكبر منها، ولهذا فمع كل منجز تحققه طهران فإن هذه العقدة تنمو وتكبر وتتعاظم أكثر وأكثر، وتولّد معها المزيد من مشاعر الرفض والعداء والكراهية، حتى وصلت إلى قناعة بضرورة عدم القبول بوجود جار قوي اسمه إيران، واعتبرتها خطراً كبيراً على وجودها واستمرارها في الحكم والسلطة، مالم تحقق هدف إضعافها أو تعمل على إسقاطها.فعملت بكل جد واجتهاد على توثيق تحالفاتها مع واشنطن وتل أبيب وبعض الدول الغربية لتحقيق هذا الأمنيات، وكرست جهودها في التآمر على طهران ومعاداتها، والتحريض الديني والإعلامي والسياسي ضدها، وسخرت أموالها وطاقاتها في سبيل ذلك. وهنا استغلت أمريكا —الانتهازية— هذا الغباء والشعور المتنامي لاستنزافها واستفراغها وإغراقها في بحر من الوعود والآمال، وصولاً لتحميلها كل كلف الفتن والحروب الباهظة التي تنفذها ضد طهران وحلفائها.ومنذ ذلك الحين وطهران تتعرض لأشد الضغوطات وأقسى العقوبات، وإثارة العنف والفوضى والاختلالات، والاغتيالات والتفجيرات، ودعم التحركات المعارضة، وتمويل الثورات الملونة وتوجيهها، كل ما من شأنه زعزعة أمنها واستقرارها، لغرض تحقيق الأهداف التي التقت عليها الصهيونية بكافة أجنحتها وأذرعها المسيحية واليهودية والعربية، وعلى رأسها يتموضع كيان الاحتلال الإسرائيلي بكل خبث ومكر ودهاء.في هذه الأجواء نمت وترعرعت مشاعر الرفض والعداء والكراهية ضد طهران، حتى تحولت إلى عقيدة سياسية وطائفية لهذه الأنظمة، فسعت إلى عزلها عن محيطها العربي والإسلامي، والمقاطعة السياسية والإقتصادية لها، وتحريم وتجريم العلاقة والتواصل معها، وصولا للعدوان العسكري الظالم الذي تشترك فيه الصهيونية بأذرعها الثلاثة. فتولت واشنطن وتل أبيب مباشرة تنفيذه، وتحملت هذه الأنظمة كلف تمويله وتبعاته.لهذا تتركز الهجمات العدائية على ضرب كل المقومات الإقتصادية والأمنية لطهران، واستهداف قياداتها وعلمائها بالاغتيالات الجوية، وتتعرض مؤسساتها العلمية والبحثية وجامعاتها ومصانعها وموانئها ومطاراتها، والبنى التحتية التنموية والتكنولوجية والتقنية والعسكرية للتدمير الممنهج، لتحقيق هدف إضعافها وصولا للتمكن من إسقاطها، بدافع العداوة والانتقام، وعُقد الشعور بالنقص والإحتقار.وعندما تصدت طهران بكل حزم وصلابة وعنفوان للحرب والعدوان عليها، ومارستها حقها المشروع في المواجهة والدفاع والرد؛ انبرت هذه الدول لتصعيد ضغطها السياسي والإعلامي على طهران، بدعوى مهاجمتها والإعتداء عليها وانتهاك سيادتها، في خطة تم رسمها وتنسيقها وتقاسم تنفيذها —مسبقا— مع واشنطن وتل أبيب، لتوفير بيئة آمنة تمكنها من مواصلة عدوانها بكل أريحية وسلام، وإلا فإذا كانت تتعرض للإعتداء وانتهاك السيادة كما تدعي، فإن منطق السيادة يقتضي الرد والدفاع إن كان هناك سيادة فعلا! والحقيقة أن طهران سعت لتوثيق علاقتها مع دول المنطقة وشعوبها، وأعطت أولوية مطلقة لجوارها العربي والإسلامي وفي مقدمته دول الخليج، وبذلت خلال كل هذه الفترة جهودا ومحاولات متعددة ومتكرة لتحسين مستوى العلاقة والإندماج، ولكنها قوبلت برفض وتعنت خليجي لا مثيل له. ومع كل خطوة تقدّمٍ تخطوها طهران في ميدان الرقي والإزدهار تشتاط هذه الأنظمة غيظاً وغضباً، وتذهب بعيدا في علاقتها بواشنطن والغرب لدرجة الإرتماء والتبعية، وتضاعف مستويات دعمها وتمويلها للصراع مع طهران، الذي تحول —مع الوقت—إلى فزاعة استنزاف استغلتها الكثير من الأنظمة لكسب المال الخليجي، حتى وصل الأمر بها إلى درجة أنّ إنفاقها على دعم وتمويل أنشطة وبرامج العداء لطهران يفوق بكثير إنفاقها على البرامج العلمية والبحثية والبنى التحتية والخدمات التنموية. وهكذا خلال كل هذه العقود الماضية وبدلا من أن تتجه للإستفادة من ثرواتها ومواردها في المنافسة الإيجابية واكتساب العلوم والمعارف وتبادل الخبرات مع طهران، بددت ثرواتها واستنفدت طاقاتها في أوحال الوهم والخيال والسراب، وطموح الآمال والأحلام والأمنيات والوعود الكاذبة، والإنحدار بشعوبها وبلدانها إلى حضيض الفشل والإخفاق والإنحطاط، فلا هم تمكنوا من إسقاط طهران، ولا أفادوا أنفسهم وأوطانهم وشعوبهم، ولا حتى بصناعة أعواد الكبريت و(القداحات) التي لا بد منها في تجهيز الموائد والولائم الشهيرة.وعليه فالخلاصة أن مشكلة إيران مع جوارها ومحيطها العربي والإسلامي لا تكمن في برنامجها النووي، ولا ادعاءات سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل؛ ولا تهديد أمن واستقرار جيرانها، ولا في دعاوى تصدير الثورة والنفوذ والتمدد والوكلاء، فهذا كله ليس إلا ذريعة يعلمها الجن والإنس. وإنما في عقدة نقص الجوار اللئيم والجبان، الذي يتآمر عليها ويمول كل الأنشطة العدائية ضدها منذ أربعة عقود ونيف، بلا مبرر، ولا مروءة ولا شرف، ولا شهامة ولا إباء. لإرضاء نزوات الملوك والأمراء الفاشلين، الذين رأوا في الحرية والعزة والإرادة والتفوق خصما يجب القضاء عليه. واستصعبوا العيش والبقاء في جوار يتمتع بالقوة والإستقلال، وينشد الحضارة والتقدم والإزدهار، ويمسك بكل ثرواته وموارده، ويوظفها في خدمة شعبه وبلده، ويولي إهتماما كبيرا للعلوم والمعارف الحضارية والإنسانية، وأثبت حضوره ومزاحمته في تحقيق التنمية الشاملة، رغم كل الضغوطات والعقوبات والفتن والمؤامرات.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة