كتاب واراء

المقاومة في جنوب لبنان: عبقرية الميدان وصدمة الحسابات الإسرائيلية

*عمر معربوني | باحث في الشؤون العسكرية والسياسية**أولا اود الإشارة الى ان هذا التحليل كغيره مما سبق وما سيلي من تحليلات يستند الى مقاربات العدو الإسرائيلي ولا يتضمن أي كشف لاسرار عمل وانماط المقاومة كما يظن البعض لذلك اقتضى التنويه .*لم يعد خافياً على مراكز القرار العسكري في الكيان المؤقت أن ما يواجهه "جيش" الاحتلال على الحافة الأمامية وفي خطوط الدفاع الثانية، ليس مجرد مجموعات مسلحة، بل هو هيكل دفاعي عضوي يمتلك مرونة عالية وقدرة فائقة على التكيف. ما أدلى به "آفي اشكنازي" وضباط الكتيبة 603 الهندسية، ليس مجرد شهادات ميدانية، بل هو إقرار صريح بفشل "هندسة الوعي" التي حاول الاحتلال تسويقها بعد عمليات الاغتيال وضربات "سهام الشمال".أولاً: صراع الخطوط الدفاعية.. استراتيجية "الأرض المرنة" وفشل الاحتواء الناريإن اعتراف العدو بالانتقال للعمل في "خط القرى الثاني والثالث" ليس مجرد توصيف جغرافي للتقدم، بل هو سقوط لفرضية "تطهير الحافة الأمامية". هذا الإقرار الضمني يعني أن السيطرة على الخط الأول لم تكن "سيطرة بقعية" (Area Control) تتيح تأمين المؤخرة، بل كانت "سيطرة نارية" (Fire Control) هشة ومخترقة، فشلت في كسر العمود الفقري للتشكيلات الدفاعية للمقاومة.- عسكرياً: الانتقال من الدفاع الساكن إلى "الدفاع النشط والمرن"لم يعتمد حزب الله في مواجهة الفرقة 36 أو غيرها على "الدفاع السلبي" الذي يكتفي بانتظار العدو في دشم ثابتة، بل طبق مفهوم "الدفاع النشط" (Active Defense):• مبدأ الكمائن المتداخلة: تم تصميم الدفاع بحيث لا تكون القرى مجرد نقاط معزولة، بل هي نسيج دفاعي مترابط. خروج العدو من قرية في الخط الأول لا يعني أمانه، بل يعني دخوله في "منطقة قتل" (Kill Zone) مُعدة مسبقاً تشترك فيها وسائط نيران من الخطين الثاني والثالث.• المرونة العضوية: تعتمد المقاومة على مجموعات صغيرة، مستقلة إدارياً ومرتبطة عملياتياً، مما يجعل القضاء على مجموعة لا يؤثر على كفاءة المجموعات المجاورة. هذا التكتيك حوّل القرى إلى عقد مواجهة تستنزف النخبة الإسرائيلية (إيغوز، غولاني) في معارك التحام من مسافة صفر.- تكتيكياً: الجغرافيا التحت أرضية.. من "المخابئ" إلى "المدن القتالية"هنا تتجلى عبقرية الرؤية التي أرساها الشهيد القائد عماد مغنية، والتي لم تعد مجرد "أنفاق" بل تحولت إلى "منظومة دفاعية متكاملة تحت أرضية":• امتصاص الصدمة الجوية: أثبتت هذه المنظومة قدرة فائقة على تحييد سلاح الجو الإسرائيلي. فبينما يصب العدو حممه على الأبنية فوق الأرض، تظل الكتلة القتالية للمقاومة (البشر والعتاد) في مأمن داخل "مدن تحتية" مجهزة بسبل الاستدامة الطويلة.• عنصر المفاجأة (التماس البري): التكتيك المتبع هو الانتقال اللحظي من "الوضعية الدفاعية" تحت الأرض إلى "الوضعية الهجومية" فوق الأرض. الربط بين المباني عبر ممرات تحتية يتيح للمقاومين الظهور خلف خطوط تقدم الدبابات الإسرائيلية أو في أجنحتها، مما يحول المبنى الذي "فتشه" الاحتلال قبل دقائق إلى مصدر نيران قاتل في لحظة غفلة.• الاستمرارية العملياتية: هذه الأنفاق ليست للهرب، بل هي شرايين إمداد ومناورة. هي تسمح بنقل الصواريخ المضادة للدروع والذخائر بعيداً عن أعين المسيرات، مما يفسر صدمة قادة الكتيبة 603 عند اكتشافهم كميات الأسلحة والجاهزية العالية رغم أسابيع من القصف المركز.إن "خط القرى الثاني" بالنسبة للمقاومة ليس مجرد جدار إسمنتي، بل هو فخ استراتيجي. فكلما توغل العدو بعيداً عن الحافة الأمامية، زادت خطوط إمداده طولاً وهشاشة، وأصبح عرضة لعمليات "الالتفاف والقضم" التي تتقنها المقاومة، محولةً جغرافيا الجنوب من "حزام أمني" منشود للاحتلال إلى "مقبرة للغزاة".ثانياً: "العدو الذكي" واختراق العقيدة القتالية الإسرائيليةإن وصف قائد الكتيبة 603 للمقاوم بأنه "عدو ذكي" ليس مجرد ثناء عابر، بل هو شهادة فشل استخباراتي وعملياتي لمنظومة "جيش" الاحتلال. هذا الذكاء الميداني يترجم حقيقة أن المقاومة لم تكتفِ بالتحصين، بل انتقلت إلى مرحلة "الهندسة العكسية" لأساليب القتال الإسرائيلية، محولةً نقاط القوة المفترضة لدى العدو إلى ثغرات قاتلة.- المسار الحاد للنيران": سيمفونية الموت المتكاملةتعبير "المسار الحاد" الذي استخدمه الضابط الإسرائيلي يعكس تطوراً نوعياً في إدارة النيران وتوجيهها، حيث تخلت المقاومة عن الرمايات الواسعة لصالح "الضربات الدقيقة.• التزاوج بين النيران المنحنية والمباشرة: يعتمد مقاتلو الحزب على التنسيق اللحظي بين مدافع الهاون (النيران المنحنية) وصواريخ الكورنيت والماس (النيران المباشرة). هذا الدمج يضع القوة الإسرائيلية في حالة "إرباك دفاعي"؛ فبينما تحاول التصدي للقذائف الساقطة من الأعلى، تُصاب آلياتها من زوايا ميتة لا تغطيها منظومات "التروفي "• التوقيت الحرج (الكمين الناري): يتم اختيار لحظة الإطلاق عند "نقاط الاختناق" الجغرافية أو أثناء عمليات الإخلاء والتبديل، مما يحول المدرعات الإسرائيلية -التي يفترض أنها توفر الحماية- إلى "توابيت فولاذية" تحاصر جنود النخبة بداخلها تحت ضغط النيران الكثيفة والدقيقة.- سلاح ضد الدروع: "بيضة القبان" وحرب الأشباحيبقى السلاح المضاد للدروع هو الكابوس الأكبر الذي يؤرق هيئة الأركان الإسرائيلية، حيث تحول من "سلاح دفاعي" إلى "منظومة ردع ميداني" متكاملة:• التفوق على "القدرات التكنولوجية": رغم وجود المسيرات (الدرونز) ومنظومات الرصد الحراري والسيبراني التي تغطي سماء الجنوب، نجحت خلايا "ضد الدروع" في خلق "بيئة تعمية" مذهلة. • هذا النجاح يعود لامتلاك المقاومة لوسائل تمويه تقنية (تخفي الأثر الحراري) وبشرية (استخدام التضاريس بعبقرية)، مما يجعل الخلية "غير مرئية" حتى لحظة الانطلاق.• القدرة على الاستمرارية: إن استمرار إطلاق الصواريخ الموجهة من القرى التي دخلتها القوات الإسرائيلية يعني أن المقاومة تمتلك "مخازن نارية ذكية" موزعة بدقة، تتيح للرامي المناورة من حفرة إلى أخرى ومن مبنى إلى مبنى، مما يفقد العدو القدرة على "تطهير" أي منطقة بشكل نهائي.• الذكاء في اختيار الأهداف: لا تستهدف المقاومة الدبابة فحسب، بل تضرب "مراكز الثقل" في القوة المتقدمة (جرافات الـ D9، ناقلات الجند "النمر"، غرف القيادة الميدانية) مما يؤدي إلى شلل كامل في حركة التشكيلات المدرعة الإسرائيلية ويجبر القيادة على مراجعة جدوى التوغل البري.إن ما يواجهه الاحتلال اليوم هو "القيادة والسيطرة اللامركزية"؛ فكل خلية هي جيش بحد ذاته، تدرس، وتراقب، وتنتظر اللحظة القاتلة. هذا "الذكاء" في الميدان هو الذي جعل قادة العدو يقرّون بأن عملياتهم لم تكسر إرادة القتال، بل جعلت المقاومة أكثر إصراراً على تحويل كل ذرة تراب جنوبية إلى "فخ" تقني وبشري لا يرحم.ثالثاً: "أخطأنا التقدير".. التصدع في العقل الاستراتيجي الإسرائيليعندما ينطق ضابط ميداني إسرائيلي بعبارة "أخطأنا التقديرات"، فهو لا يتحدث عن خطأ في عدد القذائف أو إحداثيات موقع، بل يعلن عن سقوط "نظرية الانهيار" التي بنيت عليها العملية الإسرائيلية . لقد توهمت هيئة الأركان الإسرائيلية أن قطع "رأس الهرم" القيادي سيحول "قاعدة الهرم" إلى شتات عسكري فاقد للبوصلة، لكن الميدان أثبت أن المقاومة هيكلٌ خلويٌّ لا يموت بموت أفراده، بل يتجدد بدمائهم.- عبقرية "اللامركزية": التنفيذ المستقل والهدف الواحدلقد اصطدم الاحتلال بمفهوم عسكري متطور هو "القيادة بالمهمة" (Mission Command)، حيث تمتلك كل مجموعة قتالية في القرى الحدودية استقلالاً كاملاً في اتخاذ القرار الميداني:• تفكيك الهياكل الصلبة: حولت المقاومة تشكيلاتها من جيش كلاسيكي ينتظر الأوامر المركزية، إلى مجموعات "عنقودية" تدرك هدفها الاستراتيجي (منع التقدم وحماية القرى) وتنفذه بوسائل تكتيكية مبتكرة تناسب تضاريسها الخاصة.• فشل "قطع الرأس": إن استمرار القتال بشراسة في الخطوط الثانية والثالثة بعد الضربات الكبرى التي تعرضت لها القيادة العليا، يثبت أن "العقيدة القتالية" قد غُرست في وعي أصغر مقاتل، مما جعل الميدان "يُدير نفسه" بذكاء فطري وعسكري مذهل.- مفهوم "الأرض المخزن": تحويل الجغرافيا إلى ترسانة نيرانما اكتشفه جنود الكتيبة 603 من مخازن سلاح ومتفجرات في كل منزل وزاوية، ليس مجرد "تخزين عشوائي"، بل هو تطبيق دقيق لمفهوم "الدفاع الشامل":• توزيع الكتلة النارية: بدلاً من وجود مخازن كبرى يسهل استهدافها جوياً، تم نشر السلاح وتوزيعه بحيث تصبح الأرض كلها مخزناً مفتوحاً. • هذا التكتيك يمنح المقاتل قدرة على الاستدامة لفترات طويلة دون الحاجة لخطوط إمداد خارجية قد تتعرض للقصف.• البيئة الحاضنة كبنية تحتية: عندما يجد العدو سلاحاً في كل بيت، فهو يكتشف عملياً أن "القرية هي الثكنة"، وأن الفصل بين المقاتل وبيئته بات مستحيلاً. • هذا التوزيع الجغرافي للذخائر يجعل من كل متر مربع نقطة انطلاق لهجوم محتمل.- من "الزائر" إلى "صاحب الأرض": سيكولوجيا الالتحام المباشرتكمن الصدمة الكبرى للاحتلال في "روحية المقاتل"؛ فالمقاومة لا تقاتل كجيش نظامي يدافع عن حدود جغرافية مجردة، بل كـ "صاحب أرض" يدافع عن بيته وكرامته:• وضعية الالتحام الدائم: المقاتل في الجنوب لا ينسحب، بل "يناور في مكانه". هو لا يرى نفسه زائراً للميدان، بل هو جزء من تضاريسه، يعرف خباياه ومنعطفاته أكثر من أي تكنولوجيا رصد إسرائيلية.• تلاشي فارق القوة: في معارك "صاحب الأرض"، يسقط التفوق التكنولوجي أمام "إرادة القتال". المقاتل الذي يخرج من تحت أنقاض منزله ليطلق صاروخاً على دبابة "ميركافا"، يكسر المنطق العسكري التقليدي ويفرض منطق "الاستنزاف الوجودي" على العدو.لقد أدرك العدو متأخراً أن "تدمير البنى التحتية" فوق الأرض لم يلامس "الروح القتالية" والتحضيرات المسبقة تحتها. إن ادعاء الاحتلال بأن وجوده في الجنوب يحمي مستوطناته هو هروب إلى الأمام؛ فالحقيقة الميدانية تؤكد أن حزب الله، وبعد كل الضربات، استعاد زمام المبادرة وحوّل الجنوب إلى "كمين استراتيجي كبير" يبتلع النخبة الإسرائيلية يوماً بعد يوم.إن ما يجري في الجنوب اليوم هو إثبات بالدليل القاطع أن حزب الله انتقل من مرحلة "امتصاص الضربة" إلى مرحلة "الاستنزاف المنظم". الاستعدادات في خط الدفاع الثاني ليست مجرد تحصينات، بل هي فخاخ استراتيجية مُعدة بعناية.إن ادعاء العدو بأن وجوده في الجنوب منع الهجمات على المستوطنات، هو محاولة لترميم الردع المتآكل، فالواقع يقول إن الصواريخ لا تزال تسقط بانتظام، والعملية البرية التي أرادها العدو "خاطفة"، تحولت إلى استنزاف يومي في "وحل" القرى الجنوبية التي لا تزال تنبض بالمقاومة.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة