ويتكوف يؤكد ما جاء في المقايضة الكبرى.. وماذا سيجري خلال أيام؟
*بقلم: ناجي علي أمهز*عندما كتبتُ منذ أسبوعين، وتحديداً في 20 شباط 2026، عن خفايا المفاوضات الأمريكية - الإيرانية تحت عنوان "المقايضة الكبرى"، اتهمني البعض بالمبالغة أو الانطلاق من خلفيات طائفية. لكن اليوم، في 3 آذار 2026، جاءت تصريحات المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، "ستيف ويتكوف"، لشبكة "فوكس نيوز" لتطابق ما كشفته حرفياً، وتضع النقاط على حروف الحقيقة المرة.أهم ما كشفه "ويتكوف" اليوم هو العرض الأمريكي السخي، حيث قال بوضوح: "بحثنا مع الإيرانيين عدم التخصيب لـ10 سنوات على أن ندفع لهم ثمن الوقود، ولكن مقترحنا قوبل برفض قاطع". هذا التصريح ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو اعتراف أمريكي صريح بقوة إيران؛ فأمريكا التي تقبض من الجميع وتفرض "الجزية" على العالم، تجد نفسها اليوم مستعدة للدفع لإيران مقابل استرضائها أو الوصول معها إلى تسوية.المثير للدهشة ليس فقط في تطابق رؤيتي مع تصريحات ويتكوف، بل في تطابق التواريخ؛ فالمقترح الأمريكي بوقف التخصيب لعشر سنوات ينتهي بنا نهاية عام 2035، وهو نفس العام الذي حددته في مقالي السابق كـ "تاريخ مفصلي" لولادة نظام "الدول السبع الكبار"، حيث ستنتزع إيران مقعدها الدائم كقوة عالمية. كما كشف ويتكوف أن سجالاً حاداً جرى مع المفاوضين الإيرانيين، وهنا يبرز الفارق الجوهري: فبينما يقف أغلب زعماء العالم أمام ترامب بانتظار أوامره، يكشف ويتكوف عن شراسة وصلابة المفاوض الإيراني، وهو ما اعترف به ترامب نفسه.إنني أدرك بعمق خلفيات السياسة الأمريكية، واستطيع ان افهم سلوكها تجاه طهران واسبابه العميقة، وقد عددتُ سابقاً أسباب قوة إيران، ومنها ما ذكرته عام 2020 في مقال "إيران خسرت الحزب الديمقراطي" حيث كشفتُ آنذاك الكثير مما يظهر اليوم كما حذرت عام 2021 "بعد اتفاق الصين، القادم كارثي على المحور..!". من يقرا هذا المقال سيجد فيه كل كلمة تقال في السياسة الدولية اتجاه ايران: "مما جاء بالمقال قبل 5 سنوات: "اما بعد توقيع ايران عقد الشراكة مع الصين، وقيام الصين بالغاء التعامل بالدولار، اعتقد بان كافة دول المحور وحيث تواجد امتداده لن يكون قادرا بعد اليوم على تأمين عملة الدولار، بل ستصبح بالاوزان مقابل هذه العملات، مثل فنزويلا وغيرها، وطالما ان اللعبة كبيرة وخطيرة، فان الحرب ستبدأ على المحاور الاقل قوة في المحور الصيني الجديد، تمهيدا لعزل الصين، وصدقوني الصين لا تدخل باي حرب، سيتكون هناك حرب كبرى تفصل حركة حماس عن ايران والحزب في لبنان، بطلب تركي قطري، مع خلق تصادم ضمن قطاع غزة بين الفصائل…اما ايران فان ما سيجري عليها من قرارات وحروب ستصبح فيه العقوبات مجرد سطر بمسودة طويلة للغاية… رغم كل ما كتبته الا انني اعرف بعمق ان إيران ضرورة وجودية للتوازن العالمي، واليوم يدرك ترامب أن "خوارزمية القوة" تميل لصالحها؛ فالقيادة الإيرانية هي الوحيدة التي لا تملك واشنطن ضدها "ملفات إدانة أخلاقية" أو أوراق ابتزاز (مثل ملفات جزيرة إبستين)، مما أجبر واشنطن على الانتقال من لغة التهديد إلى لغة "المقايضة".واشنطن لا تهدف لإسقاط أو إضعاف إيران، بل تريدها "حليفاً بأي ثمن" لفك ارتباطها العضوي بـ "طريق الحرير" الصيني. أمريكا تعرض على طهران أن تكون "وكيل المنطقة" البديل، والعودة إلى دورها التاريخي (1949 ضد الروس والصين) كجدار فاصل يمنع التمدد الشرقي، وهو ما تطمح واشنطن لإحيائه تحت شعار "لا شرقية ولا غربية" الذي أطلقه الإمام الخميني (رض).الحرب اليوم كشفت المستور؛ فلا القواعد الأمريكية تحمي العرب، ولا التحالف الإيراني مع الشرق (روسيا والصين) قدم المطلوب في اللحظات الحرجة:1. عجز القواعد: تبين أن القواعد الأمريكية التي تستنزف مليارات العرب أعجز من أن تحمي نفسها، فضلاً عن كون أسلحتها "مشفرة" كي لا تعمل ضد إسرائيل، وقد تحولت هذه القواعد عند أول مواجهة حقيقية إلى عبء أمني على الدول التي اعتقدت أنها تحتمي بها.2. خذلان الحلفاء: بينما يدفع الشيعة أثماناً باهظة دفاعاً عن خياراتهم الاستراتيجية وعن الحقوق العربية، يبرز السؤال المرّ: ماذا فعلت روسيا والصين بعد اغتيال السيد نصر الله؟ وماذا تقدمان اليوم في هذه الأزمة الوجودية؟ روسيا تكتفي بالشجب، والصين تمارس "بطءاً قاتلاً" تحت مسمى الحكمة، رغم علمهما أن سقوط إيران يعني تراجع الصين خلف أسوارها واندثار الدور الروسي نهائياً.3. لكن تبين بالختام ان ايران لديها من القوة والقدرات ما يقلب الطاولة.تاريخياً، يبحث الغرب عن شريك في الشرق الاوسط يمتلك "بنية فكرية دينية اعتدالية" قادرة على إنتاج توازن استراتيجي، لذلك جمع الغرب ما عرف بحلف الاقليات (المسيحي والشيعي في لبنان) وفي سوريا العلوي والمسيحيى والدرزي والاسماعيلي"، والحاضن الاكبر لهم هو الإيراني.ايران ضرورة ونداً يمكن التفاوض معه على "الخوارزميات" والذكاء الاصطناعي، بعيداً عن العقل العربي الذي لا يزال جزء منه يجادل في "تسطح الأرض" أو يغرق في التشدد التكفيري ورفض الآخر. هذا "الفصام المعرفي" هو ما جعل واشنطن تميل لإبرام صفقات مع طهران على حساب الآخرين. وعلى العرب إدراك أنهم مهما قدموا لواشنطن، فلن تكون يوماً حليفة لهم لأسباب "استشراقية" وضعت مقاييسها الحكومة البريطانية منذ عام 1700 ميلادي.نحن أمام أيام مفصلية، ولغة ترامب وإسرائيل تجاه إيران حالياً يسكنها "التهيب" والاحترام رغم الحرب:• إذا فشل ترامب خلال أسبوع في إثبات نجاحه بتغيير سلوك النظام الإيراني نحو التحالف مع أمريكا، سنشهد انقساماً داخلياً أمريكياً قد يكلفه كثيرا كثيرا؛ فالمجتمع الأمريكي يتفق ويختلف على كل شيء بنسب معينة ومقبولة، الا حول ايران فان الاختلاف يكون كبيرا. مما يمثله ذلك من مخاطر كارثية.• التدخل الشرقي: بعد الصمود الإيراني الكبير، وما يجري في روسيا فان لم تتدخل مع الصين، ليس لانقاذ ايران بل للحفاظ عليها كحيلفة لهما، فأن البديل هو سيطرة الهند اقتصادياً وإسرائيل عسكرياً على مفاصل آسيا، وهو انتحار جيوسياسي لبكين وموسكو.إيران لن تخسر الحرب. وإذا استمرت وتيرة مغادرة الدبلوماسيين والاقتصاديين وغيرهم من الأمريكيين للمنطقة، فهذا يعني أننا أمام "خروج نهائي" لامريكا. هذه الحرب ليست لكسر إيران، بل هي المخاض العسير لولادة شرق اوسط جديد لا مكان فيه لروسيا والصين. او تتدخل روسيا والصين للحفاظ على وجودهما في المنطقة.
أضيف بتاريخ : 2026-03-03 19:49:47 |