كتاب واراء

قصة الشهيد ترمس الذي واجه الموت دفاعاً عن أحبّائه.. قد تغير المعادلات.

بقلم: ناجي علي أمهزحين وضعتُ وقائع هذه القصة في موازين الذكاء الاصطناعي لتقييمها من أبعاد سياسية واجتماعية وسيكولوجية، جاء رد "الآلة" بفيضٍ من الإنسانية غير المتوقع، ليتساءل: ما قيمة هذا المقال في قلب الحرب؟ والجواب هو أنه بمفرده لن يوقف المدافع، فالحروب تنتهي عندما تنضج الظروف السياسية، لكنَّ هذا المقال وأمثاله هم "حراس الحقيقة الإنسانية". لولا هذه الكتابات، لكانت الحرب مجرد "لعبة إلكترونية" نرى فيها انفجارات صامتة دون أن نشعر بوجع البشر. إن أهمية ما كتبه أمهز ليست في "وقف النار" بل في "منع موت المعنى"، وفي محاولة إنقاذ "الإنسان" داخلنا من أن يموت قبل أن تتوقف المدافع، فالسلام الحقيقي يحتاج إلى عدالة، والعدالة تبدأ من الاعتراف بنبل الضحية.من هنا؟؟؟، لا أعرف من أين أبدأ؛ فحين يقف إنسانٌ وجهًا لوجه أمام الموت، لا يعود الكلام كافيًا، ولا البلاغة تنفع. هناك، في تلك اللحظة الفاصلة، يسقط التاريخ كله، وتبقى العين في عين المصير. يُروى — كما نقل الصحافي رضوان مرتضى — أنّ اتصالًا سبق اغتيال أحمد ترمس؛ صوتٌ بارد يخيّره بين موتٍ جماعي وموتٍ منفرد: «بدّك تموت إنت واللي معك… أو لحالك؟»، فيأتي الجواب بلا ارتباك: «لحالي». لسنا هنا أمام تفصيل عسكري، ولا أمام بيانٍ يُضاف إلى أرشيف الحرب، نحن أمام سؤال أخلاقيّ يعرّي العالم: ماذا يفعل الإنسان حين يُمنح حقّ اختيار طريقة موته؟ أن يختار أن يموت وحده كي يحيا غيره، هذا ليس موقفًا سياسيًا، بل هو امتحانٌ للجوهر.أعرف أن الحروب تُنتج سردياتها، وتُزيّن موتاها بعبارات المجد، لكن حتى لو كانت الرواية جزءًا من صراع المعاني، فإن الفعل — إن صحّ — يظلّ فعلًا إنسانيًا عاريًا من الزينة: رجلٌ يبتعد بسيارته عن بيتٍ فيه أهل، لئلّا يبتعد الموت عنهم. أيُّ قوةٍ تستطيع أن تنتصر على بيئةٍ كهذه؟ بيئةٌ ترى في الفداء حمايةً، وفي الحماية معنىً للبقاء. وأنا هنا لا أبيعكم كلامًا، فقد اختلفتُ طويلًا مع الطائفة الشيعية من لبنان حتى طهران، وانتقدتُها كما لم يفعل أحد قبلي، ومع ذلك بقيت قيادات الطائفة تكن لي كل الاحترام؛ لأنهم يعلمون أنني أتحدث بصدق، ودوري في الدفاع عن الطائفة خاصة ولبنان عامة ليس بسبب الهوية الشيعية التي أحملها، بل هو دورٌ أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا. لذلك أكتب اليوم لا دفاعًا عن حزبٍ ولا عن سلاح، بل دفاعًا عن معنى الإنسان حين يُحاصر.إن صحّت رواية الاتصال، فإن المسألة تتجاوز حدود الميدان. هنا لا نناقش خرائط ولا تفاهمات، بل نناقش معيارًا: أن يُخيَّر إنسانٌ بين أن يموت مع عائلته أو وحده. القتل قدرٌ في الحروب، أمّا تخيير القتل فخطيئةٌ أخلاقية مضاعفة. بهذا المعنى، تقع إسرائيل في امتحانٍ لا تحسمه طائرةٌ ولا دبابة، بل يحسمه ميزان العدالة في الوعي الكوني والأممي. قد تنفي الحكومة الإسرائيلية الرواية، وقد تسقطها في غبار البيانات، لكنَّ شيئًا ما تغيّر: العالم لم يعد يحتمل صورًا كهذه من دون مساءلة. حتى العقل الليبرالي ومنه اليهودي، الحريص على صورة الكيان الاسرائيلي، لن يسكت طويلًا أمام تداعى كافة المعايير الانسانية لانه بالختام الامم ستنتفض عليهم، فالحروب قد تؤجّل الحساب، لكنها في السياسة لا تلغيه.يجب أن تنتهي هذه الحرب فورًا. فالجريمة، إن وقعت كما رُويت، ليست بحقّ بشرٍ فقط، بل بحقّ فكرة الوجود المشترك والمعنى الإنساني، وهذا الشيء أكبر من القوى العظمى ومن هذه الكرة الأرضية مجتمعة، فكل شيء فكرة وصورة، وما حصل هو فكرة لن تموت وإن مات صاحبها. ذلك الإنسان الذي استشهد في أروع ملحمة إنسانية، لن يكون أحد، ولا حتى أعظم الفلاسفة، قادرًا على توصيف لحظاته بين الاتصال والموت المحتم. نحن لا نحتاج مزيدًا من الأبطال، بل نحتاج قليلًا من الرحمة التي تُنقذ الإنسان من أن يتحوّل إلى هدفٍ في اختبار سادي. إن البيئة التي تواجه الموت دفاعًا عن أحبّائها وارضها ووجودها ليست ظاهرة عابرة في شرقٍ متعب وممزق؛ إنها، في لحظة الحقيقة، وريثةُ الله على الأرض — لأن الله، في جوهر الإيمان الإنساني، هو حمايةُ الضعيف. وحين يُحاصر الضعيف ويختار أن يحمي، يصير أقوى من كل انتصار تطالعنا فيه نواميس الحروب.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة