كتاب واراء

مفاوضات واشنطن وطهران: بين رفض نتنياهو وقبول ترامب!

د. عدنان منصور* في وقت حساس يشهد فيه النظام الدولي تآكلاً واضحاً في صورة القيادة الأميركية وإدارتها، استقبلت واشنطن على عجل، رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي قام بزيارة سريعة لواشنطن، تخرج عن الإطار البروتوكولي المتبع عادة في الزيارات الرسمية العادية التي يتمّ تحضيرها مسبقاً، وفق ترتيبات مراسمية متعارف عليها.لكن زيارة نتنياهو العاجلة، تُعطي إشارة للمعنيين في المنطقة والعالم من أنّ التحالف القائم بين واشنطن وتل أبيب، لا يزال على عهده متيناً، قوياً واستراتيجياً، فيما يذكر ترامب القيّمين والفاعلين في دول غربي آسيا، حلفاء وأصدقاء، وأعداء، من أنّ القرار السياسي الاستراتيجي المتعلق بالمنطقة، يبقى منوطاً ومرتبطاً بواشنطن.جاءت الزيارة بعد أيام قليلة من بدء المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، حيث أراد نتنياهو أن يستبق أيّ اتفاق نووي مع إيران، ويوضح موقف “إسرائيل” القاطع منه، ويجدّد مطالبه بوقف البرنامج النووي الإيراني، وتصفير التخصيب، وتقليص برنامج الصواريخ الباليستية ومداها.المعلومات التي خرجت للعلن من أنّ المفاوضات الأميركية الإيرانية تقتصر على البرنامج النووي الإيراني دون غيره، أقلقت نتنياهو، خشية منه أن تتوصّل واشنطن الى اتفاق نووي يسمح لإيران بالتخصيب ولو في حدّه الأدنى، وبالتالي ترك البرنامج الصاروخي جانباً!لذلك أراد نتنياهو من زيارته التي أتت خارج دائرة النشاط الدبلوماسي الروتيني، تنسيقاً أمنياً استراتيجياً عالي المستوى في ضوء التطوّرات الإقليمية الخطيرة المستجدة. تنسيق غايته ضبط قواعد الاشتباك، قبل مرحلة التصعيد أو التفاوض المفصلي بين واشنطن وطهران، مع ضمان استمرار الدعم اللوجستي، والعسكري والاستخباري لـ “إسرائيل”.لم تكن زيارة نتنياهو لتأتي على عجل، لولا أنها ترتبط باحتمال تصعيد ميداني عسكري مع إيران، يرتبط ببرنامجها النووي، وبتطورها اللافت في مجال التقنية النووية، التي وضعتها على عتبة امتلاكها القنبلة الذرية، بمعزل عن إعلان إيران مراراً، أنها لا تسعى لتصنيع السلاح النووي. رغم ذلك، بقي نتنياهو قلقاً جداً من مستوى تخصيب إيران لليورانيوم الذي تجاوز الـ 60%، مما يجعلها ـ لو أرادت ـ مؤهّلة تقنياً لتصنيع السلاح النووي. لذلك يشجع نتنياهو في العمق خياراً عسكرياً ضدّ إيران تلجأ إليه واشنطن، وفي حال تحفّظ ترامب، أو صرف النظر عن العمل العسكري، يريد نتنياهو معرفة هامش العمل العسكري الإسرائيلي الذي يسمح به ترامب في حال قرّرت “إسرائيل” شنّ عدوان عسكري استباقي على إيران، على اعتبار أنّ واشنطن ـ بنظر نتنياهو ـ تستطيع أن تغطي سياسياً أيّ عمل عسكري يقوم به، وأيضاً تزويد “إسرائيل” بكلّ ما تحتاجه من أسلحة نوعية متقدّمة، ودعم استخباري.نتنياهو أراد أيضاً من زيارته السريعة، توجيه رسالة إلى إيران، محذراً من أيّ عمل عسكري استباقي قد تقوم به، وأنّ ذهابها بعيداً في برنامجها النووي، سيقابَل بردّ حاسم بتنسيق مع واشنطن، ودعم ومن دول عربية محددة!الزيارة العاجلة إلى واشنطن، لا تعني بالضرورة التسريع بشنّ حرب على إيران، لكنها تؤكد في الجوهر، على تنسيق أميركي إسرائيلي لردع طهران في حال توسيع الاشتباك، وإدارة ميزان الردع قبل أن يختلّ، لا سيما أنّ طهران أثبتت أنّ الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري عليها لن يغيّر قرارها، مهما كانت الضغوط ثقيلة عليها.ما هي نتيجة المحادثات التي جرت على مدى ثلاث ساعات بين ترامب ونتنياهو؟! لم يعلن عن أيّ اتفاق رسمي نهائي أو ملزم، أو تغيير في مسار السياسة تجاه إيران، حيث ترامب مستمرّ بالمفاوضات النووية مع إيران، كخيار مفضّل قبل التفكير في خطوات أخرى، بما فيها العقوبات والضغط العسكري والتنسيق الوثيق الأميركي الإسرائيلي في القضايا الأمنية والإقليمية، رغم محاولات نتنياهو إشراك قضايا إضافية كملف الصواريخ وموضوع الفصائل الإقليمية. ترامب شدّد على ضرورة استمرار المفاوضات، بينما نتنياهو يطالب بتوسيع النقاش حول هذه المواضيع، ويركز عليها، ما جعل التفاهم حول استراتيجية كاملة بين ترامب ونتنياهو في هذا الشأن ضبابياً.التغيير النسبي للسياسة الأميركية تجاه الملف الإيراني، ما زال في مرحلة حساسة، إذ انّ هذه السياسة قد تتأثر بمواقف وشروط أطراف إقليمية وضغوط إسرائيلية.إنّ تمسك ترامب بالمفاوضات يعني في الوقت الحاضر، عدم رغبة الولايات المتحدة الذهاب إلى مواجهة ساخنة، طالما انّ الوقت يسمح بمسار تفاوضي، وبالتالي يوجّه رسالة إلى “إسرائيل” من أنّ القرار الاستراتيجي النهائي يبقى في يد واشنطن.تراجع ترامب عن تهديداته لإيران، والعودة إلى المفاوضات، مردّه إلى أنّ إيران، رغم التهديدات الأميركية والإسرائيلية له، والتلويح بالحرب عليها، وجّهت رسائل مباشرة لمن يعنيهم الأمر، وهي أنها جاهزة للردّ بكلّ قوة على أيّ عدوان. وأنّ عملياتها العسكرية ستطال منشآت وقواعد عسكرية أميركية في المنطقة، وأهدافاً عسكرية مباشرة داخل “إسرائيل”. إذ أنّ تجريد إيران بالكامل من برنامجها النووي السلمي، ومن صواريخها الباليستية أكان ذلك عبر المفاوضات أو الحرب، يعني في العمق تجريدها فعلياً من أيّ ردع عسكري متوازن في المستقبل، في حال تعرّضها لعدوان خارجي دون قدرة دفاعيّة، حينها تصبح “إسرائيل” صاحبة اليد الطولى في المنطقة، تفعل فيها ما تشاء، وتستبيح أرضها وأجواءها متى تريد، وهذا ما ترفضه طهران وتتصدّى له بكلّ قوة.إنّ استمرار إيران ببرنامجها النووي السلمي، وترسانتها الصاروخية، دفعت بنتنياهو كي يحثّ ترامب على تنفيذ عمل عسكري حاسم ضدّ إيران، لا سيما بعد أن تيقن نتنياهو أن ليس بمقدور “إسرائيل” أن تمنع وحدها برامج طهران، دون عواقب خطيرة مدمرة تلحق بكيان الاحتلال، وبعد الاستعداد العسكري غير المسبوق لإيران، للتصدّي لأيّ عدوان عليها. هذا ما دفع بترامب للمضيّ قدُماً بمفاوضات تضمن مصالح الطرفين.تهديد ترامب لإيران بالحرب، لم يجعلها تتزحزح عن ثبات موقفها وتمسكها ببرنامجها النووي، وصواريخها الباليستية، واستعدادها لمواجهة أيّ عدوان عليها، ما جعل ترامب يفضل خيار المفاوضات، صارفاً النظر وحتى إشعار آخر، عن العمل العسكريّ الذي كان يلوّح به، والذي يريد نتنياهو أن ينفذه ترامب، قبل التوصل إلى اتفاق رابح رابح.إيران، في مفاوضاتها مع أميركا، لا يمكن أن تقبل بأيّ شكل من الأشكال تجريدها من برامجها الحيوية التي ترتبط بسيادتها وأمنها القومي، وهي التي تحمّلت بسببهما أقسى العقوبات على مدار أكثر من أربعة عقود، لتجعل البرامج منها دولة متقدّمة علمياً وصناعياً وعسكرياً. إنّ تجريدها من برامجها يعني تحجيم سيادتها، وقوتها، ودورها وحضورها في المنطقة، والحدّ من قرارها المستقلّ، وهذا ما سيدفع بواشنطن وتل أبيب مستقبلاً إلى انتزاع المزيد من التنازلات، فيما تبقى “إسرائيل” المحصّنة بالسلاح النوويّ، والقدرات العسكرية الهائلة، تتحكم بالمنطقة وتسيطر عليها، ولها كلمة الفصل فيها، سياسياً وأمنياً، واقتصادياً، وعسكرياً!هل سيرضخ نتنياهو لموقف ترامب من المفاوضات الجارية، أم أنه سيستخدم “إسرائيل” للتحرك بكلّ قوة داخل الكونغرس، ومن خلال اللوبيات اليهودية المؤثرة، بغية تشديد شروط التفاوض مع إيران، وفرض عقوبات إضافية عليها، تؤدي إلى انهيار المفاوضات؟!عام 2015 قرّرت إدارة أوباما توقيع الاتفاق النووي رغم المعارضة الشديدة للوبي الإسرائيلي (IPAC) له. اتفاق قال عنه نتنياهو إنه “خطأ تاريخي”، وتعهّد بـ “العمل على عرقلة طموحات إيران النووية، وأنّ “إسرائيل” ستدافع عن نفسها على الدوام”.القرار الأميركي، أكان إيجابياً أو سلبياً لنتنياهو، يبقى الموقف الإيراني واضحاً، وثابتاً، لجهة عدم التخلي عن البرنامجين النووي والصاروخي، رغم محاولات واشنطن وقفهما من خلال العقوبات الأحادية التي فرضتها على إيران، لجرّها إلى مفاوضات رابح خاسر!ما الذي يضمره ترامب لإيران، بمفاوضاته الجارية معها في عمان؟! أهي مفاوضات رابح رابح، كما أرادها أوباما وروحاني، أم رابح خاسر كما يريدها نتنياهو، ومن ثم الذهاب إلى الحرب عبر حصان “طروادة” الأميركي؟!هل ستسفر المفاوضات الحالية عن حلّ رابح رابح، وتجنيب المنطقة انفجاراً عسكرياً، أم أنّ مهمة واشنطن إدارة الأزمة لا حلها، وتأجيل الحرب بدل إغلاقها نهائياً؟!فلننتظرْ ونرَ…*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة