ولاية الفقيه بين الشريعة الإسلامية والتشريع
كتب إسماعيل النجار،*ولاية الفقيه بين الشريعة الإسلامية والتشريع هيَ امتدادٌ وظيفيّ لخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.*سنشرَح بدايةً ما هو الفرق بين الشريعة والتشريع؟*الشريعة هي مجموع الأحكام الإلهية الثابتة التي أنزلها الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان. مصدرها القرآن الكريموالسنة النبوية الصحيحة، وما ثبت عن أهل بيت النبي (ص) عند مدرسة أهل البيت.*الشريعة ثابتة من حيث المصدر، لكنها قابلة للتطبيق المتغيّر بحسب الزمان والمكان.*أما التشريع هو عملية استنباط الأحكام وتطبيقها وتنظيمها في الواقع العملي لإدارة المجتمع.*من يقوم به هو النبي (ص)في حياته،والإمام المعصوم في غيابهِ وهذا فقط عند الشيعة الإمامية.الفقيه الجامع للشرائط هو المعترف به في عصر الإمام علي عليه السلام،*للتوضيح أن التشريع ليس اختراع دين جديد، بل تنظيم تطبيق الشريعة،وملىء الفراغات التنفيذية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع،والبعض يسأل هل ولاية الفقيه إمتداد لخلافة الإمام علي عليه السلام؟الجواب العلمي المختصر. نعم من حيث الوظيفة، لا من حيث العصمة أو المرتبة.*لذلك يُثار الجدل في الفكر الإسلامي المعاصر حول مفهوم ولاية الفقيه، هل هو ابتكارٌ سياسيّ طارئ، أم امتدادٌ أصيلٌ لنهج الحكم في الإسلام؟ ويتفرّع عن هذا السؤال إشكالٌ أعمق يتعلّق بالفصل أو الوصل بين الشريعة والتشريع. هنا نحاول تقديم مقاربة علميّة هادئة، تستند إلى النصوص الموثوقة والتراث الفقهي، بعيداً عن التبسيط أو السجال الأيديولوجي.*الشريعة والتشريع تمييزٌ لازم لا فصام، الشريعة في الاصطلاح الإسلامي هي مجموع الأحكام الإلهيّة التي أنزلها الله تعالى لتنظيم علاقة الإنسان بربّه وبالمجتمع والدولة. مصدر هذا التشريع هو الوحي، ويتمثّل في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما ثبت عن أهل بيت النبي (ص)، إضافةً إلى العقل والإجماع وفق المنهج الأصولي.*وقال تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: 18)أمّا التشريع فليس إنشاءً لدينٍ جديد، بل هو عمليّة استنباطٍ وتنظيمٍ وتطبيق لأحكام الشريعة في الواقع المتغيّر. إنه الجسر الذي تنتقل عبره النصوص من حيّز المثال إلى حيّز الفعل، ومن النظرية إلى الدولة.*بهذا المعنى، الشريعة ثابتة المصدر، بينما التشريع متحرّك الآليّات، يخضع لمقتضيات الزمان والمكان دون أن يخرج عن النص.*ماذا فعل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في وحدة الدين والدولة؟*خلافتهِ شكّلت النموذج الأوضح لوحدة المرجعية الدينية والسلطة السياسية. فقد كان الإمام علي مرجعاً فقهياً وأعلى قاضياً مرتَبَة وأعدلحاكماً سياسياً على وجه الأرض يطبّق الشريعة بلا مواربة، وقد لخّص بنفسه ضرورة السلطة حين قال؛{لا بدّ للناس من أميرٍ بَرٍّ أو فاجر}(نهج البلاغة – الخطبة 40)هذه العبارة ليست تبريراً للظلم، بل تحذيراً من الفراغ، إذ إن غياب السلطة أخطر من سوء إدارتها، لأن الفوضى تهدم الشريعة قبل أن تحميها.*مع دخول الأمة الإسلامية، وخصوصًا الشيعة الإمامية، عصر الغيبة الكبرى، برز سؤال مصيري، مَن يتولَّىَ شؤون الأمة؟ ومن يحمي الشريعة من التعطيل أو التحريف؟*الجواب ورد في النص المعروف عن الإمام المهدي (عج)، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله,(الشيخ الصدوق كمال الدين)وقد فهم كبار الفقهاء عبر القرون أن المقصود بـ«رواة الحديث» هم الفقهاء الجامعون للشرائط عِلماً، وعدالةً، وكفاءةً.*ولاية الفقيه هي الإمتداد الوظيفي لا المقامي، من هنا تتشكّل ولاية الفقيه باعتبارها امتداداً وظيفياً لخلافة الإمام المعصوم، لا امتداداً مقامياً أو عقائدياً، لأن الولي الفقيه ليس معصوماً ولا نبياً ولا إماماً منصوصاًلكنه مكلّف شرعاً بإدارة المجتمع وفق الشريعة الإسلامية، وسلطته مقيّدة بالنص والرقابة والمصلحة الشرعية، وتسقط شرعيته إن خالفها.وقد أكّد الإمام الخميني (قدس سره) هذا المعنى بقوله إن ولاية الفقيه هي نفس ولاية رسول الله في إدارة المجتمع، لا في مقام النبوة أو العصمة؟.*الجذور الفقهية لا السياسيةخلافاً لما يُروّج له، لم تولِد ولاية الفقيه من رحم السياسة الحديثة، بل من صلب الفقه الإمامي. قال بها ونظّر لهاالشيخ المفيد، والشيخ الطوسي،والمحقق الكركي، والعلامة الحِلِّي،وجاء التنظير الحديث ليعطيها شكل الدولة، لا ليغيّر جوهرها.*ولاية الفقيه ليست قطيعةً مع التاريخ الإسلامي، ولا انقلاباً على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بل هي محاولة عقلانية وشرعية لملىء الفراغ الذي حذّر منه الإمام علي نفسه.*هي جهدٌ بشريّ لإدارة الشريعة في زمن الغيبة، قابلٌ للنقد والتقويم، لكنه ليس دخيلاً على الإسلام، ولا طارئاً على فقهه. وفي زمن تتكاثر فيه مشاريع العلمنة القسرية أو الاستبداد المقنّع، يبقى السؤال مفتوحاً؟هل العِلَّة في الفكرة، أم في التطبيق؟
أضيف بتاريخ : 2026-02-09 14:42:58 |