من يملك الغد؟
كتب رياض الفرطوسي نادراً ما يُمنَح جيلٌ فرصة أن يرى نظاماً عالمياً ينهار أمام عينيه، لا في كتب التاريخ ولا في أرشيف الصور، بل على شاشات الهواتف وفي نشرات الأخبار اليومية. ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطراب عابر في ميزان القوى، بل تفكك بطيء – ومؤلم – لعالم صيغ بعد الحرب العالمية الثانية، وبدا لعقود كأنه قدر نهائي لا يُمس. الجديد هذه المرة أن إعادة البناء لا تجري في الغرف المغلقة وحدها، بل تُدار علناً، بصراحة فظة، وأحياناً بوقاحة تاريخية.حين قال شي جين بينغ (الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية) لفلاديمير بوتين عند بوابة الكرملين عام 2023: (العالم بعد مئة عام سيتغير، ونحن من سيبني هذا العالم الجديد)، لم يكن يتبادل عبارة بروتوكولية ولا يُغازل شريكاً ظرفياً. كان يُعلن، بلا مواربة، نهاية مرحلة وبداية أخرى. كان يقول إن النظام الذي كُتب بالحبر الغربي، وبالدم غير الغربي، وصل إلى سطره الأخير. موافقة بوتين لم تكن مجاملة، بل اعترافاً بأن لحظة الانقلاب الهادئ قد بدأت.عام 2025 لم يأتِ كعام عادي. جاء كصفعة رقمية. الصين، رغم حرب تجارية مفتوحة، ورغم تعريفات جمركية عادت بقسوة في ولاية ترامب الثانية، سجّلت أكبر فائض تجاري في تاريخها، متجاوزة 1.3 تريليون دولار. في الجهة المقابلة، حققت الولايات المتحدة أكبر عجز تجاري عرفته في تاريخها الحديث. الأرقام هنا ليست تفاصيل محاسبية، بل إشارات سياسية عميقة: الرهان الطويل على انهيار الصين – من فقاعة العقارات إلى الشيخوخة السكانية، ومن أزمة الديون إلى أوهام الانقلابات – سقط واحدًا تلو الآخر.الأهم من الأرقام هو التحوّل في السلوك. الصين التي أتقنت لعقود سياسة “إخفاء القوة وانتظار الوقت” بدأت تتكلم بلغة مختلفة. لم تعد تلك القوة الصاعدة المتحفظة التي تخشى استفزاز واشنطن، بل لاعباً يفرض إيقاعه، ويختبر الخطوط الحمراء، وأحياناً يعيد رسمها. الصبر الاستراتيجي لم ينتهِ، لكنه لم يعد صامتاً.لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى الذاكرة الصينية نفسها. الصينيون لا يرون حاضرهم بمعزل عن ما يسمونه (قرن الإهانة)، الممتد من حروب الأفيون حتى قيام الجمهورية الشعبية. في تلك الحقبة، خُدعوا في فرساي (مؤتمر السلام عام الذي أعاد رسم خريطة العالم بعد الحرب العالمية الأولى) عام 1919 رغم مشاركتهم في الحرب العالمية الأولى، وسُلّمت شاندونغ – رمزهم الثقافي العميق – لليابان. وبعد الحرب العالمية الثانية، ورغم عشرين مليون قتيل، جرى تجاهلهم مجدداً في يالطا وبوتسدام. حتى تايوان، التي كان يُفترض أن تعود للصين وفق منطق المنتصرين، بقيت خارج السيادة بفعل المظلة الأمريكية منذ 1950.هذه التراكمات لم تُنسَ. تحولت إلى عقيدة سياسية غير مكتوبة: الإهانة لا تتكرر، ومن يدفع ثمن الدم في الحروب الكبرى لا يقبل أن يُقصى من طاولة النظام الجديد. لذلك لا ترى بكين نفسها قوة “مراجِعة” فقط، بل وريثة مؤجلة.في المقابل، بنت الولايات المتحدة هيمنتها بطريقة لم تعرفها إمبراطورية سابقة. خرجت من الحربين العالميتين أقل خسائر بشرية، وأكثر مكاسب اقتصادية. جمعت ذهب العالم، صاغت نظام بريتون وودز (نظام مالي عالمي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية لتثبيت العملات وتحديد الدولار كعملة احتياط)، فرضت الدولار عملة احتياط، وربطت الطاقة العالمية به عبر صفقة النفط الشهيرة. كانت إمبراطورية “محظوظة” بالمعنى التاريخي. لكن الامتيازات التي تُمنح بلا كلفة تُساء إدارتها غالباً.اليوم، يتراجع الدولار ببطء لكن بثبات من موقعه المهيمن، وتبحث الدول – ليس خصوم واشنطن فقط بل حلفاؤها أيضاً – عن بدائل. نظام “سويفت” (نظام دولي لتحويل الأموال بين البنوك بسرعة وأمان) لم يعد مظلة آمنة بعد تجميد الأصول الروسية عام 2022. تلك اللحظة كانت مفصلية: حين تحوّلت العملة والأنظمة المالية إلى سلاح، فهم العالم أن الحياد النقدي انتهى. منذ ذلك الحين، تسارعت محاولات فك الارتباط، وبرز اليوان، ونظام CIPS، (نظام صيني دولي لتسوية المدفوعات باليوان خارج الصين) وتزايدت التجارة خارج الفلك الدولاري.في قلب هذا التحول تقف منطقتنا مرة أخرى، لا كفاعل مركزي، بل كساحة اختبار. الشرق الأوسط يبدو كرقعة شطرنج جاهزة لمغامرة جديدة. إسرائيل، العاجزة عن إغلاق ملفات غزة ولبنان واليمن وسوريا، ترى في مواجهة كبرى مع إيران فرصة لإعادة خلط الأوراق. لكن أي ضربة واسعة لن تكون عملية جراحية نظيفة، بل شرارة لفوضى إقليمية طويلة، تُستنزف فيها الولايات المتحدة مجدداً، وتفتح مساحات أوسع لخصومها الاستراتيجيين، تماماً كما حدث في العراق وأفغانستان.التاريخ، كعادته، لا يصرخ… لكنه يهمس بوضوح. بغداد التي فرحت بسقوط دولة خوارزم،(غزو المغول لمدينة خوارزم عام 1220 وسقوط الدولة التي حكمتها) لم تنتظر سوى عقود لتستقبل المغول. دويلات الشام التي باركت للصليبيين في أنطاكية، كانت هي نفسها من دلّهم على طريق القدس. الفرقة لا تصنع أماناً، بل فراغاً، والفراغ في السياسة الدولية لا يبقى شاغراً أبداً.ما نعيشه اليوم ليس صراع أشخاص، ولا مباراة زعماء، بل معركة على من يملأ الفراغ الذي خلّفه تراجع الهيمنة الأمريكية. السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر، واشنطن أم بكين؟ بل: هل سنكون نحن جزءاً من معادلة البناء، أم مجرد مادة خام تُستَخدم في صراع الآخرين؟هذه المرة، لا يمكننا ترك التاريخ يقرر وحده مصائرنا. جزء كبير من المستقبل بين أيدينا، ونحن من سيختار شكل العالم الذي سيأتي.
أضيف بتاريخ : 2026-02-02 13:23:32 |