كتاب واراء

بين نبوءة الهيكل ووعد الخلاص

كتب إسماعيل النجار أين تقف الحقيقة بين “سِفر إشعياء” وانتظار الإمام المهدي؟منذ آلاف السنين، شكّلت النبوءات الدينية ركيزةً أساسية في تشكيل وعي الجماعات، وتوجيه مساراتها السياسية والروحية. وبينما تتقاطع الأديان في الإيمان بالمستقبل وبفكرة “الخلاص”، فإنها تفترق جذرياً في مصادر هذا الإيمان، وفي مشروعيته، وفي قابلية نبوءاته للتحقق أو السقوط.اليوم، يقف العالم أمام سرديتين متناقضتين حول بيت المقدس؛سردية يهودية تستند إلى نبوءات “سِفر إشعياء” في العهد القديم، وتبني عليها مشروع “الهيكل” وعودة المُلك،وسردية إسلامية، جعفرية وسُنّية، تتكئ على القرآن الكريم والسنة المتواترة، وتؤمن بظهور الإمام المهدي في آخر الزمان وتحرير الأرض من الظلم، وفي قلبها القدس.أولاً؛ نبوءة إشعياء نبدأ حيث النص الإشكالي، يحتل “سِفر إشعياء” مكانة مركزية في اللاهوت اليهودي والمسيحي، ويُقدَّم على أنه سجل نبوءات عن تاريخ بني إسرائيل ومستقبلهم، من السبي إلى “العودة”، ومن الخراب إلى “المجد”، وصولًا إلى قيام مملكة مسيانية تكون فيها أورشليم مركزاً روحياً للعالم.غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في مضمون النبوءة فحسب، بل في مصدرها وتوثيقها.فالقرآن الكريم، وهو المرجعية الإلهية القطعية في الإسلام، لم يذكر نبياً باسم إشعياء، لا تصريحاً ولا تلميحاً. كما أن التراث الإسلامي لم يُثبت نبوته، ولم يُدرجه ضمن سلسلة الأنبياء الموحى إليهم.بل إن نصوص إشعياء نفسها خضعت تاريخياً للتجميع والتحرير بعد قرون من الزمن، وتعرضت لاختلافات نصية وتأويلية واسعة، ما أفقدها صفة القطع واليقين، وحوّلها إلى نصوص قابلة للتوظيف السياسي أكثر من كونها وحياً إلهياً محفوظًاً.وعليه، فإن الاستناد إلى “نبوءة الهيكل” لا يقوم على دليل إلهي قطعي، بل على تراث ديني خاص بجماعة، مختلف عليه حتى داخل الديانات الإبراهيمية نفسها.ثانياً؛ الوعد الإسلامي النص المحفوظ والرواية المتواترة،في المقابل، يقوم الاعتقاد الإسلامي بظهور الإمام المهدي على أسس مغايرة تماماً.فالقرآن الكريم، وإن لم يذكر الإمام المهدي بالاسم، أرسى قواعد عقائدية واضحة عن الاستخلاف، ونصرة المستضعفين، ووراثة الأرض، وإظهار الدين، وهي مفاهيم أجمع المفسرون شيعةً وسنة على ارتباطها بمرحلة آخر الزمان.وتأتي السنة النبوية، بأحاديث متواترة المعنى، لتُكمل هذا البناء، حيث رُوي عن رسول الله ﷺ وعن أئمة أهل البيت وصحابة كبار، أن رجلًا من أهل بيته يظهر في آخر الزمان “يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت جوراً وظلماِ”.الميزة الفاصلة هنا أن رواية الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف،لم تُبنَ على كتاب واحد مختلف في توثيقه، ولم تُستخدم لتبرير مشروع احتلال أو تفوق عرقي،بل جاءت كخاتمة لمسار أخلاقي وإنساني، غايته رفع الظلم لا تكريس القوة. حتى في التفاصيل، شدد أئمة أهل البيت على أن الظهور غير قابل للتوقيت، وأن “كذب الوقاتون”، ما ينزع عن العقيدة أي بعد استغلالي أو سياسي مباشر، ويجعلها إيماناً غيبياً لا برنامجاً سياسياً مستقى من الدين للهيمنة!..القدس أصبحت بين مشروعين وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛. المشروع اليهودي المعاصر يتعامل مع القدس بوصفها أداة لتحقيق نبوءة قومية، تُفرض بالقوة، وتُسند بقراءات انتقائية لنصوص غير مُجمع عليها.أما الرؤية الإسلامية، فتجعل القدس جزءاً من معركة كونية بين العدل والظلم، لا بين عرق وعرق، وتربط تحريرها بتحول أخلاقي شامل، لا بمجرد تفوق عسكري. فمن يمتلك الإثبات الأقوى؟إذا كان معيار الحقيقة هو سلامة المصدر، وقطعية النص، واتساق العقيدة مع القيم الإلهية للعدل والرحمة، فإن الكفة تميل بوضوح لصالح الرواية الإسلامية، بشقّيها الشيعي والسني، في الإيمان بظهور الإمام المهدي وتحرير الأرض من الظلم، لا لبناء هيكل على أنقاض شعب آخر.أما نبوءة الهيكل، فتبقى أسيرة نصوص إشكالية، وتأويلات بشرية، وتجربة تاريخية أثبتت أن القوة لا تُنتج حقًا، وأن النبوءة التي تحتاج إلى الدبابة لتتحقق، ليست نبوءة إلهية.فبين “سِفر إشعياء” وانتظار الإمام المهدي، لا يقف الزمن وحده شاهداً، بل تقف الحقيقة. حقيقة النص، وحقيقة الغاية، وحقيقة الطريق. وفي ميزان التاريخ، لا ينتصر من يسبق إلى السلاح، بل من يثبت على العدل… ولو بعد حين.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد