كتاب واراء

قوة إقليمية عظمى بمواجهة التطرّف.

لنكن واضحين بلا مواربة:الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة حرب، بسبب العقليات المتطرّفة التي ترى في الحرب عقيدة،وفي القوة غاية،وفي الإلغاء سبيلًا للبقاء.فالتصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيرانلم يعد خلافًا سياسيًا أو نزاع مصالح،بل تحوّل إلى ساحة اختباربين منطق الردع العقلانيومنطق المقامرة الوجودية.أولًا: إيران… دولة ردع لا دولة تكفير.على خلاف الصورة النمطية التي يُراد تسويقها،فإن إيران لا تنتهج عقيدة التطرف القومي،ولا خطاب الإبادة،ولا منطق التكفير الديني.لم تُعلن يومًا:حربًا دينية على الشعوبولا مشروع إبادة عرقيةولا تكفيرًا جماعيًا لأمم أو أديانخطابها – مهما اختلفنا معه سياسيًا –هو خطاب سيادة وردع ومواجهة ضغوط،لا خطاب تفوّق عرقي،ولا استعلاء ديني،ولا تصفية وجودية.وحتى في ذروة التهديدات،تُصرّ طهران على معادلة واحدة واضحة:لا نبدأ الحرب، لكننا لا نقبل أن تُفرض علينا.هذا ليس خطاب انتحار،بل خطاب دولة تدرك كلفة الحربوتعرف توازناتها وحدودها.ثانيًا: الخطر الحقيقي… حين يتحوّل التطرّف إلى قرار دولةالخطر الحقيقي اليوم لا يأتي من طهران،بل من صعود التيارات المتطرّفة داخل إسرائيل،التي نجحت في جرّ القرار السياسي والعسكريالإسرائيلي والأمريكينحو خيار الحرب.وهو منطق بالغ الخطورة، يقوم على:ضربات استباقية بلا حسابتوسّع عسكري بلا أفق سياسياستهانة بقدرات الخصوماستخفاف عميق بتحوّلات النظام الدوليهذه التيارات لا تبحث عن أمن،بل عن هيمنة بالقوة،وتتعامل مع الحرب كخيار يمكن التحكم بنتائجه…وهو وهم قاتل.فأي حرب مع إيرانلن تكون حرب حدودولا مواجهة عابرة،بل زلزالًا استراتيجيًايضع إسرائيل أمام أخطر اختبار وجودي في تاريخها.ثالثًا: ترامب ومن خلفه… حين تتحوّل القوة إلى عقيدة عمياءولا يمكن فصل هذا المشهدعن الدور التخريبي الذي يلعبه دونالد ترامب،ومعه شبكات الضغطوالتيارات الأيديولوجية داخل الولايات المتحدة،التي لا تؤمن بالسلام أصلًا،ولا ترى في القانون الدولي قيمة،ولا تعترف بالتوازنات.هذه القوى:تقدّس القوةتحتقر الدبلوماسيةتستخدم الحروب كأدوات نفوذ وانتخاباتوهي لا تدافع عن إسرائيل،بل تستخدمها كأداة متقدّمةفي مشروع صدامي أوسع،غير عابئة إن انتهى هذا المساربتدمير المنطقة…أو بإحراق إسرائيل نفسها.رابعًا: المناورات الإيرانية–الروسية–الصينية… كسر الوهم.في هذا السياق،جاءت المناورات المشتركة بين إيران وروسيا والصينلتسقط أخطر الأوهام السائدة،ولتقول بوضوح:إن إيران ليست معزولةوإن أي حرب لن تكون سريعةوإن واشنطن ليست هي وحدها من يحدّد قواعد الاشتباك أو إنهاء الحربوإن إسرائيل غير محصّنة من النتائج.فهذه المناورات ليست استعراضًا عسكريًا،بل إعلان صريح عن تحوّل في ميزان الردع الدولي،ورسالة واضحة مفادها:أي حرب على إيرانلن تكون محلية،ولن تكون بلا أثمان،ولن تبقى محصورة بجبهة واحدة.خامسًا: من يصنع التطرّف الحقيقي؟.التطرّف الحقيقيليس في دولة تدافع عن سيادتها،بل في:من يُكفّرمن يُقصيمن يموّل العنف الدينيمن يرى في الحرب خلاصًا عقائديًاولا يمكن هنا تجاهلبعض التيارات والأنظمة في المنطقةالتي دعمت الإرهابتحت مسمّيات دينية تكفيرية،وتظن اليومأن إشعال حرب كبرىسيخدم مصالحها.لكن الحقيقة المؤلمة هي أن:هذه الأيديولوجياتليست خطرًا على إيران فقط،بل الخطر الحقيقيعلى أمريكا وأوروبا وإسرائيل أولًا،وقبل الجميععلى شعوب المنطقة نفسها.خلاصة القول:من يدفع نحو الحرب…هو من يتحمّل نهاياتها.فإذا اندلعت الحرب،فإن التاريخ سيسجّل بوضوح:أن إيران لم تكن من دعاة الإبادة،ولا من حملة التكفير،ولا من المؤمنين بحرب بلا حدود.بل إن المتطرّفين،وأنصار الهيمنة،وعبّاد القوة،هم من قادوا المنطقة إلى الهاوية.فالقوة التي تُستخدم بلا عقللا تصنع أمنًا…بل تُسرّع السقوط.سعيد فارس السعيدكاتب وباحث استراتيجي سوري مستقلمتخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والإقليمي «صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد