كتاب واراء

نظام القوة

كتب رياض الفرطوسي لم ينهَر النظام الدولي فجأة، ولم تُسحَب الشرعية من التداول ببلاغٍ رسمي. ما جرى أقرب إلى تآكلٍ بطيء، صامت، يشبه تآكل المعاني حين تُستهلك أكثر مما تُحترم. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدا العالم وكأنه اتفق—ولو شكلياً—على مرجعيةٍ تضبط الفوضى: قانون دولي، مؤسسات جامعة، ومفهوم هش اسمه (الشرعية). اليوم، هذا المفهوم يقف وحيداً، بلا سند، في مواجهة واقعٍ جديد لا يعترف إلا بمنطق واحد: القوّة.نحن لا ننتقل إلى عالم بلا نظام، بل إلى نظامٍ مختلف؛ نظام لا يحتاج إلى إجماع، ولا ينتظر قرارات أممية، ولا يتوقف طويلًا عند حدود القانون. إنه نظام يُصاغ بالإكراه، ويُدار بالضغط، وتُرسم خرائطه على إيقاع المصلحة الصلبة. في قلب هذا التحوّل، تتقدّم الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوّة الأحادية الأكثر قدرة على فرض تعريفها الخاص للنظام العالمي، في ظل قيادة ترى في التردّد ضعفاً، وفي التسويات خسارة.القوّة العسكرية هي الركن الأول في هذا البناء. ليست مجرد ترسانة هائلة، بل تفوّق تقني ومعرفي يجعل الحرب احتمالًا دائم الحضور، حتى حين لا تُعلن. الإنفاق العسكري الأمريكي لا يهدف فقط إلى الردع، بل إلى التذكير المستمر بأن ميزان القوّة مختل، وأن الاعتراض—في أحسن أحواله—نقاشٌ نظري.إلى جانب المدافع، يقف الدولار بوصفه السلاح الأذكى. عملة تحوّلت إلى لغة عالمية للإكراه الاقتصادي، تُدار من خلالها الأسواق، وتُحدَّد بها فرص الحياة والنمو. من لا ينسجم مع هذا النظام النقدي يجد نفسه معزولًا، لا بفعل الحصار العسكري، بل عبر تجفيف الموارد وإغلاق المنافذ المالية. هنا، لا تُطلق رصاصة، لكن النتائج لا تقل قسوة.وتأتي أسواق المال الأمريكية لتكمل الدائرة. مركز ثقل اقتصادي يمتص الأرباح، ويوجّه الاستثمارات، ويعيد توزيع النفوذ. حين تتركّز نسبة هائلة من مكاسب العالم في سوق واحدة، يصبح القرار المالي قراراً سياسياً، وتتحوّل البورصة إلى أداة حكم غير معلنة.أما العقوبات الاقتصادية، فقد خرجت من كونها وسيلة استثنائية إلى سياسة يومية. تُستخدم بلا كثير تبرير، وتُرفع بلا كثير اعتذار. لم تعد مرتبطة بحماية القانون الدولي، بل بخدمة الأجندة السياسية. العقوبة هنا رسالة، ومن لا يفهم الرسالة يدفع الثمن مضاعفاً.وفي السياق ذاته، تُستخدم التعرفات الجمركية كسلاح دفاعي هجومي في آن واحد. شعار حماية الصناعة الوطنية يخفي رغبة أعمق: إعادة هندسة الاقتصاد العالمي بما يخدم مركزاً واحداً، ولو على حساب تباطؤ الآخرين. إنها حرب باردة جديدة، لكن أدواتها هذه المرّة فواتير جمركية بدل الصواريخ.وحين لا تكفي هذه الوسائل، يُفتح الباب على سياسات تتجاوز النصوص الدولية صراحةً. اختراق سيادة الدول، السيطرة على مواردها، التلويح بضمّ أراضٍ، أو إعادة تعريف الجغرافيا بوصفها صفقة محتملة. بل إن المؤسسات الدولية نفسها تُوضَع موضع شك، ويُلوَّح ببدائل أكثر انسجاماً مع منطق القوّة وأقل إزعاجاً للأسئلة الأخلاقية.هذا هو (نظام القوّة): عالم لا تُلغى فيه القواعد، بل تُعلَّق. لا يُدمَّر فيه القانون الدولي، بل يُهمَّش. عالم تُدار فيه السياسة بمنطق التاجر المسلّح، وتُختزل فيه العلاقات الدولية إلى معادلة ربح وخسارة.الخطر الحقيقي لا يكمن في هيمنة قوّة واحدة فحسب، بل في اعتياد العالم على هذا النمط من الحكم. حين تصبح القوّة مرجعية، ويُنظر إلى القانون بوصفه تفصيلًا قابلًا للتجاوز، ندخل مرحلة لا يُقاس فيها العدل بميزان، بل بقدرة الأطراف على الصمود.نحن لا نعيش نهاية التاريخ، بل إعادة كتابته… بحبرٍ أثقل، وأقل إنسانية. وفي (نظام القوّة)، لا يُسأل العالم عمّا هو عادل، بل عمّا هو ممكن.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد