كتاب واراء

أمريكا: حرب السيطرة وسيناريو الخديعة وقدرة إيران

بقلم: د. محمد هزيمة – كاتب سياسي واستراتيجي ومستشار بالعلاقات الدوليةعلى أكثر من جبهة، تقرع الولايات المتحدة طبول الحرب استعدادًا لمرحلة جديدة، تهدف فيها إلى التحكم بالعالم لعقود وربما قرون. يمكن وصف هذه المرحلة بأنها "حروب الولايات المتحدة على العالم"، والتي خططت لها واشنطن للحفاظ على موقعها الحاكم في نظام عالمي أحادي القطب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.كان الغزو الأمريكي للعراق بداية واضحة لهذه الاستراتيجية، تلاه استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذريعةً للحرب على الإرهاب، الذي صنعته الولايات المتحدة ووصل به إلى الحكم في أكثر من مكان، وسوريا مثال بارز على ذلك، ضاربةً القوانين الدولية وحقوق الشعوب بعرض الحائط. اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على هذه السياسة لتحقيق السيطرة، بغض النظر عن اختلافها بين ديمقراطي ومحافظ، مع التركيز على الاقتصاد والطاقة والبحار، لضمان السيطرة على الموارد العالمية وطرق إمدادها، متبعةً سياسة القضم التدريجي والحسم المرحلي لتجنب الاصطدام مع أي تحالف دولي جاد.نجحت أمريكا في رسم قواعد الاشتباك التي تناسب مصالحها، حتى أنها ألزمت خصومها بالمشاركة في بعض النتائج الاقتصادية. سيطرت على نفط الخليج والعراق وسوريا وليبيا وفنزويلا، ولم يبقَ أمامها سوى نفط إيران، الذي يثير شهية قادة واشنطن دون استثناء. وقد اختصر أحد أبرز قادة أمريكا هذا الهدف بقوله:"إن أمريكا تحتاج إيران، وبقاء طهران خارج السيطرة يشكل حالة قطع طريق أمام توسع أمريكا ومشروعها في الشرق الأوسط."الموقع الجغرافي والجيوسياسي للجمهورية الإسلامية في إيران جعلها محور اهتمام أمريكي مستمر. تعتمد واشنطن على الضغط النفسي والعسكري، واستغلال الخلافات الداخلية، لضرب إيران وحلفائها تحت مسمى "الذراع الإيرانية"، مستفيدة من التجارب التاريخية، مثل حرب النورماندي في الحرب العالمية الثانية، أو دعم أوكرانيا بعد ضم روسيا للقرم عام 2014، ومحاولة ترامب الاستيلاء على جزيرة غرينلاند لأسباب عسكرية واقتصادية.اليوم، قد تكون التحركات الأمريكية في الخليج جزءًا من استراتيجية خداع تهدف إلى خلق مفاجأة عسكرية مفترضة، تشمل حشدًا جويًا وبحريًا، وتهديد المضائق والناقلات النفطية، وربما استهداف الجزر والسواحل الإيرانية، بالتزامن مع إشراك مرتزقة وحلفاء إقليميين، مستغلةً التوترات العربية والإيرانية التاريخية.لكن إيران، بخبرتها التاريخية وعلاقاتها الإقليمية، تراقب هذه التحركات عن كثب، وترسم خطوطًا حمراء، بالتنسيق مع حلفائها، لضمان عدم وقوع عدوان مباشر أو تفجير داخلي.الأهم من ذلك أن هذه التحركات ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي حرب جيوسياسية ونفسية تهدف إلى اختبار توازن القوى العالمي. وأي فشل أمريكي داخلي أو قدرة إيران على مواجهة الضغوط قد يمهّد لولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يعتمد على عدالة أكبر، وتوازن سياسي واقتصادي أوسع، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية القائمة على الدولار والموارد المسلوبة.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد