بري لبنان...ولكل لبنان
بقلم : فاطمة يوسف بصل.حين يصبح الانهيار رأيًا، والفوضى وجهة نظر، والصراخ سياسة، لا يعود الوطن بحاجة إلى مزيدٍ من الثوار الكلاميين، بل إلى من يضع جسده بين الدولة والسقوط. في لحظةٍ يهرب فيها الجميع من تحمّل الكلفة، يولد الدور الحقيقي لمن لا يغادر موقعه، ولو احترق.لبنان اليوم ليس ساحة صراع عادية، بل اختبار أخلاقي قاسٍ: إمّا أن تحمله رغم ثقله، أو تتركه يسقط وتكتب بيان إدانة بعد فوات الأوان. هنا تمامًا يُفهَم معنى بري لبنان.في السنوات الأخيرة، حيث تفكّكت الدولة قطعةً قطعة، وتحوّل الفراغ إلى قاعدة حكم، لم يكن الإنجاز أن تُصنع المعجزات، بل أن لا يُقفل الباب الأخير. بري لبنان لم يكن رجل الوعود، بل رجل إدارة الخطر. أدرك أن هذا البلد لا يحتمل القفز في المجهول، فاختار السير على حافة النار دون أن يشعلها.حين تعطّلت الرئاسة، وشُلّت الحكومات، وبات الانقسام الرئاسي خنجرًا في خاصرة الدولة، أبقى مجلس النواب واقفًا، لا قويًا، بل حيًّا. أدار جلسات تشريعية في زمن الغضب، ومرّر قوانين الضرورة لا لترضية أحد، بل لمنع الانهيار الكامل. في بلدٍ يُكافأ فيه التعطيل، صار الاستمرار فعل مقاومة.وفي لحظة كادت تتحوّل فيها السياسة إلى قطيعة دائمة، طرح الحوار كخيار إلزامي لا كترف. جمع الخصوم حول طاولة واحدة حين كانت الكراسي أخطر من البنادق، لأن من يعرف لبنان، يعرف أن الصدام فيه لا يُنتج إلا الخراب.بري لبنان في مرحلته الحديثة هو رجل إدارة الخسائر الكبرى. لم يعد الإنقاذ ممكنًا دفعة واحدة، لكن منع السقوط الحرّ كان واجبًا. تمسّك بالمؤسسة التشريعية كقلب النظام، ورفض استبدال الدولة بالشارع، مهما علا الصراخ، ومهما اشتدّ الغضب.في الملفات السيادية الحسّاسة، حافظ على ثبات البوصلة. دعم تثبيت الحقوق الوطنية في البرّ والبحر، وتمسّك بمعادلة حماية السيادة بهدوء، دون مزايدة أو استثمار. أدرك أن القضايا المصيرية لا تُدار بالانفعال، بل بالعقل الطويل النَّفَس.أما «ولكلّ لبنان» فليست جملة مكمّلة، بل جوهر المعادلة. لم يُغلق باب المجلس أمام أحد، ولم يحوّل الخلاف إلى حرب إلغاء. فهم أن هذا الوطن لا يعيش بالغلبة، وأن من يكسر التوازن… يكسر البلد معه.قد يُلام على البطء، لكن البطء في بلدٍ مفخّخ… حكمة. وقد يُؤخذ عليه التدوير، لكن التدوير أحيانًا هو آخر جدار قبل الانفجار.في بلدٍ تُدار فيه الأزمات كأنها ألعاب نار، يصبح الثبات فعل تمرّد. ويغدو الحفاظ على الدولة، ولو بهيكلها المتعب، معركة أشرف من إسقاطها. هنا لا تُقاس الوطنية بعدد الصرخات، بل بعدد الانهيارات التي مُنعت.ليس كلّ من صمت تخلّى، ولا كلّ من هدأ استسلم. فبعض الرجال يقاتلون بلا ضجيج، ويحرسون الوطن وهم واقفون في مرمى النار.بري لبنان… ولكلّ لبنان ليست شعارًا ولا ترفًا لغويًا، بل خطًّا فاصلًا بين من يُغامر بالبلد، ومن يحمله وهو يتداعى. بين من يرى في الانقسام فرصة، ومن يراه جريمة. وبين من يطلب مجد اللحظة، ومن يتحمّل لعنة الاستمرارية.فليختلفوا كما شاؤوا، وليشتدّ الصراع كما بلغ، لكن حين تُطفأ الأضواء، سيبقى السؤال واحدًا لا مهرب منه: من منع السقوط… حين كان السقوط أسهل الخيارات؟ هناك فقط، يُكتب التاريخ… لا بالحبر، بل بالنار."وإنّما الأوطان تُبنى بالثبات"ولعلّ في ثبات بري لبنان، نجد الأمل في إعادة بناء ما تهدم، ونُعيد الحياة إلى وطننا.وفي لحظة الصمت التي تلي العاصفة، يبقى صوت الوطن هو الأعلى، ويبقى الأمل في غدٍ أفضل، رغم كل شيء. فليكن لبنان، وطنًا للجميع، وطنًا يُبنى بالحب، ويُحفظ بالوحدة، ويُعاد بناؤه بالثبات.
أضيف بتاريخ : 2026-01-28 07:54:03 |