كتاب واراء

عند ايران وفيها اضخم الحاملات والقواعد العسكرية في العالم ... بوصلة المواقف ...

حين تُقرأ الجغرافيا بعينٍ عسكرية لا بعين الخرائط المدرسية، يظهر موقع إيران لا كدولة محاطة بالمياه واليابسة فحسب، بل كمنصة استراتيجية عملاقة، أشبه بأضخم حاملة طائرات طبيعية في العالم، ثابتة لا تغرق، ومحصّنة بالتاريخ والجغرافيا والإرادة.إيران تمتد على واحدة من أكثر السواحل حساسية في العالم، من الخليج إلى بحر عُمان، متحكمة بممرات بحرية تُعد شرايين الطاقة والتجارة الدولية. هذا الامتداد الساحلي ليس مجرد حدود مائية، بل فضاء عملياتي مفتوح، تتحول فيه اليابسة إلى قاعدة، والساحل إلى منصة، والبحر إلى ساحة اشتباك محتملة لا تخدم المعتدي بقدر ما تستنزفه.في هذا الإطار، لا تعني القوة الإيرانية امتلاك حاملات طائرات عائمة على النمط الأمريكي، بل امتلاك ما هو أخطر: حاملة ثابتة، واسعة، متصلة بعمق جغرافي وبشري وعسكري، يصعب شلّها أو تحييدها بضربة خاطفة. فكل تحشيد أمريكي حول إيران لا يُقرأ في طهران كاستعراض قوة، بل كتمركز داخل دائرة النار، حيث تتحول القطع البحرية إلى أهداف مكشوفة في بيئة صُممت استراتيجياً لمواجهة الأساطيل لا لمجاراتها شكلياً.السواحل الإيرانية، بطبيعتها الجغرافية المتعرجة وقربها من الممرات الضيقة، تُعد بيئة مثالية لأسلحة بحرية ووسائل ردع صُممت لمنع التفوق البحري المعادي. هنا لا تكون الكثرة هي الفيصل، بل الفعالية، ولا تكون الهيمنة بالتكنولوجيا وحدها، بل بملاءمة السلاح للمكان والزمان. ولهذا فإن أي اقتراب عدائي يتحول تلقائياً إلى مغامرة عالية الكلفة، حيث تصبح أفضلية المبادأة موضع شك، وتتحول القوة المتفوقة عددياً إلى قوة مثقلة بالحذر والقلق.إن الضغط والحصار، بدل أن يُضعفا إيران، يدفعانها تاريخياً إلى توسيع خيارات الرد، لا إلى تقليصها. فالعقيدة الإيرانية في المواجهة لا تقوم على التراجع تحت الضغط، بل على قلب الطاولة عند الضرورة. وحين تُدفع الأمور إلى حافة الاختناق، يصبح الرد خياراً وجودياً، لا رسالة سياسية قابلة للتأجيل. عندها يُوضع الخصم أمام معادلة قاسية: إما انسحاب مُكلف سياسياً وأخلاقياً، أو مواجهة مفتوحة لا يمكن ضبط نتائجها ولا حصر نيرانها.ما يعزز هذه المعادلة ليس السلاح وحده، بل الجرأة في اتخاذ القرار. فإيران، بخلاف قوى كثيرة، لا تبني ردعها على الغموض فقط، بل على الاستعداد المعلن للمواجهة، وعلى خطاب لا يفصل بين القول والفعل. هذه الشجاعة، المتأتية من قناعة عقائدية وسيادية، هي ما يجعل حسابات الخصم معقدة، لأن الرد ليس رهناً بالمزاج الدولي، بل بقراءة داخلية ترى في الصمود أساس البقاء.في الخارطة العالمية اليوم، تبدو إيران نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها ولا كسرها بسهولة. هي ليست قاعدة تابعة، ولا حاملة مستأجرة، بل كتلة صلبة في معادلات الصراع، تمتلك من أدوات الردع ما يجعل الاقتراب منها قراراً مكلفاً، ومن الإرادة ما يجعل التهديد لها مقامرة غير مضمونة العواقب. ولهذا، فإن كل تصعيد ضدها لا يزيدها إلا ترجيحاً في ميزان الصراع، ويجعل خصومها أمام خيارين أحلاهما مرّ: تراجع لا يُنسى، أو مواجهة لا تُحتمل.جليل هاشم البكّاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة