بقلم: د. محمد هاني هزيمة محلل سياسي وخبير استراتيجي.
تشهد الجمهورية الإسلامية مواجهةً من نوعٍ آخر، مسرحها ساحات بعض المدن، وأدواتها من الداخل، عبر بعض المغرَّر بهم من المنافقين الموتورين، ومنهم الحاقدون، استغلّهم العدو الخارجي الذي يحرّكهم كأدوات في مشروع زعزعة استقرار الدولة، لفرض شروطه عليها وتقويضها من الداخل، عبر نزع مكامن القوة لديها، وتهشيم بعدها الاستراتيجي، الذي تحوّل إلى عقدة جيوسياسية على مستوى التوازنات الدولية، ودورها المؤثر في الشرق الأوسط.
وقد استفادت إيران من موقعها في غرب آسيا، وحجمها ونفوذها الواسع، الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، وصولًا إلى الخليج العربي، إضافة إلى موقعها على شاطئ بحر قزوين، ما جعل منها حاجةً استراتيجية تحمي الجنوب الروسي والغرب الصيني معًا، وتؤثر في القوقاز، الهدف الأمريكي المقبل، كمشروع ناعم للتمدّد من تركيا إلى أوروبا عبر خط «الحزم والحرير» الجديد، أو ما أُطلق عليه «طريق ترامب».
ويهدف هذا المشروع الأمريكي إلى قطع النفط عن الصين، ومحاصرة روسيا، والسيطرة على منطقة القوقاز ودولها وما تحويه من ثروات، تُضاف إلى خط الحرير الجديد الذي يمنح الأمريكي سيطرةً أوسع، ويفتح له طرق شحن جديدة تعزّز هيمنته على التجارة العالمية.
ولم يبقَ عائقًا أمام مشروع السيطرة الأمريكية سوى إيران، التي خرجت من الطاعة الأمريكية والتبعية للغرب مع سقوط نظام الشاه، وانتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قده).
فقد بنى الإمام الخميني أسس دولة على أرضية صلبة، عبّرت عن تطلعات أكثرية الشعب الإيراني بكامل مكوّناته، على أساس العدالة الاجتماعية، والمساواة، والعمل للنهوض بإيران، والالتزام بدعم الشعوب المستضعفة، وتبنّي خياراتها، بخلفية إنسانية إسلامية تقبل الآخر، وتحترم التنوع، دون التدخل في السياسات الداخلية للدول.
وبهذا تحوّلت إيران، الجمهورية الإسلامية، إلى هدف أمريكي منذ اللحظة الأولى للثورة، لتعارضها مع المشروع الاستعماري القائم على استغلال الشعوب، وتمويل الحروب، وتغذية الصراعات المذهبية والعرقية، والتناحر الطائفي، وهي أدوات لطالما شكّلت أسلحة بيد الأمريكي، مكّنته من الإمساك بالدول والشعوب منذ قيام النظام العالمي، وسيطرة المجتمع الأنغلوساكسوني، واستثماره في تخلف الشعوب، وإبقائها أممًا استهلاكية متناحرة، تستفيد منها مصانع السلاح، التي تُعدّ من أهم ركائز الاقتصاد الأمريكي، والمؤثرة في مركز صناعة القرار في واشنطن.
وما تخشاه الولايات المتحدة أكثر من أي شيء آخر هو سلاح الوعي، ونهضة الأمم، وتماسك المجتمعات. وعلى هذا الأساس تُدار سياساتها، ويُشهر سيف عقوباتها لضرب الدول من داخل مجتمعاتها.
وهذا أحد وجوه الحرب التي تشنّها على الجمهورية الإسلامية في إيران، بعدما تأكدت واشنطن، وفق تقديرات جنرالاتها، أن الحرب العسكرية على إيران مكلفة، وغير مضمونة النتائج، ولا يمكن معرفة حدودها، ولا تأثيرها في التوازنات الدولية، خاصةً في ظل دور إيران كأحد أقطاب القوى الدولية الناشئة ضمن محور الممانعة.
وقد ظهرت ملامح هذا المحور عبر وحدة تجمع الأقطاب الأوراسية: روسيا، الصين، إيران، وكوريا الشمالية، حيث وُقّعت بينهم شراكات استراتيجية تجاوزت حجم الاتفاقات التقليدية.
وهذا بحدّ ذاته ترى فيه الولايات المتحدة ملامح مواجهة تهزّ عرش الأحادية القطبية، وتقطع طريق سيطرتها على العالم، انطلاقًا من الشرق الأوسط، وصولًا إلى غرينلاند في القطب الشمالي، وهو حلم ترامب وهدفه، عبر مراكمة الأوراق، والسعي إلى حكم العالم عن بُعد بالسيطرة الاقتصادية.
وهذا المسار هو السبيل الذي تراه واشنطن لإخراج نفسها من عنق زجاجة الأزمة الاقتصادية، التي شكّلت سببًا رئيسيًا في قلق الولايات المتحدة من الداخل، وبداية تصدّع غير مسبوق داخل المجتمع الأمريكي، يواجهه ساكن البيت الأبيض بحروب على أكثر من جبهة، داخلية وخارجية، وبين خصوم وأعداء وحلفاء.
فالرئيس الأمريكي الحالي معروف بأنه رجل صفقات، لكنها صفقات لا تعود بالفائدة على أمريكا نفسها، ولا على العالم، إذ ينفخ ترامب في بوق نار قد تحرق الولايات المتحدة ذاتها، سواء أُضرمت في طهران أو نيجيريا، والعين على غرينلاند، وبعدها القوقاز؛ جبهات ملتهبة، ومشاريع حروب، ونيران لم تبرد قبل تحقيق «سلام» بمفهوم ترامب، وهو سلام لا يوقف الحروب، بل يوقف أي مواجهة تعيق هيمنته.
وهذا تحديدًا ما يريده من إيران في هذه الظروف، حيث يغذّي حربًا جديدة من بوابة افتعال أزمة تُدار أحداثها من الخارج، ردًا على حرب الأيام الاثني عشر، التي حاول تحريكها مع بداية العملية العسكرية، وسعى لحشد الناس في الشوارع، لكنه فشل.
ومن جديد، أعلن ترامب أنه في حال نشبت أزمة اجتماعية، فإن أمريكا ستشن حربًا عليها بعمليات عسكرية، بهدف كسر تماسك الشعوب.
وقد عمل العدو على استهداف رموز الهوية الوطنية الإيرانية الثلاث: العلم، المساجد، القرآن الكريم. وهنا يتضح أن المسألة سياسية بامتياز، فلو كانت اقتصادية بحتة، فلماذا تُنهب المتاجر وتُحرق؟ أليس في ذلك ألف علامة استفهام؟ فالأزمة الأمنية لا تحل المشاكل الاقتصادية، بل تُعمّقها.
ويتضح هنا دور مثيري الشغب، فهم مجموعات شبه إرهابية، ولو غُلّفت بواجهة مدنية. ويستند هذا التوصيف إلى ما أُعلن قبل أشهر، حين صرّح الصهاينة بأنهم سيستخدمون الهياكل التي أنشأوها داخل إيران لمغامرة جديدة.
وقد فرض ذلك على الأجهزة الأمنية الإيرانية تحديد هوية قادة الاضطرابات واعتقالهم، وخلال عمليات المداهمة عُثر في بعض الحالات على أسلحة (G3 – كولت)، وهو دليل على أنهم تنظيم مسلح جرى تحضيره مسبقًا.
إن تحرّك هذه العناصر يؤكد ارتباطها بهدف ضرب الاستقرار الداخلي، عبر التوجه إلى المراكز العسكرية والأمنية، بهدف الحصول على السلاح، ومحاولة إشعال حرب أهلية، في الوقت الذي بقيت فيه القوات المسلحة على أهبة الاستعداد، وتجنبت توضيح الأمور ميدانيًا، تحاشيًا لاشتباكات في الشوارع، باعتبار الجميع أبناء إيران، رغم علم القيادة الإيرانية بأن العدو يسعى لاستقطاب المجتمع.
لكن الشعب الإيراني أثبت مجددًا أنه عندما تكون هوية البلاد في خطر، فإنه يصمد حتى الموت، في ظل قيادة حكيمة، واعية، وصادقة، أقرت بوجود مشاكل اقتصادية حقيقية يجب معالجتها، وواجهت شعبها بالحقيقة، مؤكدة أن الحل ليس الفوضى ولا انعدام الأمن، بل التضامن الوطني، بوصفه شرطًا أساسيًا لتجاوز هذه المرحلة الصعبة.
كما شددت القيادة على أن المؤسسات الأمنية والقضائية ستتعامل بحزم ودون تهاون مع الجماعات المسلحة التي تستهدف: المراكز الحكومية، المراكز الأمنية، أرواح المواطنين. وهو واجب وطني، ويشكّل ضمانة للمواطن الإيراني، وللمجتمع، ولسيادة الدولة الإيرانية.