كتب إسماعيل النجار،
إيران تحت ضغط الداخل والخارج ولبنان في قلب المشاورات الإقليمية
ما دلالات زيارة عباس عراقجي إلى بيروت في ذروة التصعيد الإسرائيلي؟
.في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، وتحديدًا إلى مقر رئاسة مجلس النواب في عين التينة، ولقاء أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، وإنهاء الزيارة قبل موعدها ب ٢٤ ساعة! في توقيتٍ تتشابك فيه الضغوط الداخلية التي تواجهها طهران، مع تصعيدٍ إسرائيلي سياسي وعسكري وإعلامي، وتسريبات أمنية تتحدث عن احتمالات مواجهة واسعة بين طهران وتل أبيب وواشنطن.
الزيارة لم تكن بروتوكولية ولا معزولة عن سياقها الزمني، بل تندرج في إطار إدارة أزمة إقليمية مركّبة، تتقاطع ساحاتها من الداخل الإيراني إلى غزة ولبنان، ضمن معادلة ردع دقيقة تحاول مختلف الأطراف اختبار حدودها لتجنُب الانزلاق إلى حرب شاملة.
الداخل الإيراني يعاني من اضطرابات محسوبة على وقع أوضاع اقتصادية ضاغطة وتحديات معيشية متصاعدة، فشهدت توترات أمنية محدودة في محافظة خراسان الشمالية ومناطق أخرى، الرسالة الإيرانية بدت مزدوجة من جهة اعترافها ضمنياً بحجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في مشهد لا يبتعد كثيرًا عن تجارب انهيار مالي شهدتها دول أخرى في المنطقة، ومن جهة ثانية تأكيد حازم على أن الدولة لا تزال تمسك بالوضع الأمني وتتعامل مع هذه الاضطرابات بوصفها جزءً من حربٍ خارجية غير تقليدية تُشن على الجبهة الداخلية.
في هذا السياق، كان عراقجي واضحًا في تحميل إسرائيل مسؤولية التدخل المباشر في هذه الاضطرابات، في إطار ما تصفه طهران بـ حرب الاستنزاف الناعمة التي تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي، وهو توصيف يتقاطع مع تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث أمنية غربية تحدثت عن انتقال الصراع الإيراني الإسرائيلي إلى مستويات ما دون الحرب التقليدية ورفع حالة التأهب إلى ألدرجات القصوىَ.
في ظل هذه الأجواء السياسية والأمنية المتوترة جاءَ التحول في الخطاب الإسرائيلي من الأمن إلى إعادة التأهيل!. التي جاءَت في تصريحات على لسان رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو حول إعادة تأهيل غزة وشيعة لبنان، هذا الخطاب يتجاوز المفهوم العسكري التقليدي للأمن، ليكشف عن رؤية إسرائيلية أوسع تعتبر أن الصراع لم يعد محصورًا بالجغرافيا أو السلاح، بل بات صراعاً على الهوية والوعي والبنية السياسية والاجتماعية للمجتمعات الحاضنة للمقاومة.
تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، من بينها معاهد دراسات الأمن القومي، تشير إلى قناعة متزايدة داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن أي إنجاز عسكري، مهما كان حجمه، سيبقى ناقصاً ما لم يُرفق بتفكيك البيئة الاجتماعية والسياسية الداعمة للمقاومة. وهو ما يفسر التلازم بين الضغط العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والحرب الإعلامية والنفسية. في وقت يقف فيه لبنان كساحة توازن لا ساحة تفجير فقط. ومن هنا تكتسب زيارة عراقجي دلالاتها العميقة. فالمشاورات التي أجراها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومع أطراف لبنانية أخرى، تركزت بحسب مصادر سياسية مطلعة على ثلاث نقاط أساسية؛
تبدأ بتحصين الاستقرار اللبناني ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة تخدم الحسابات الإسرائيلية.
ثانيًا، التأكيد على وحدة لبنان وسلامة أراضيه في مواجهة التهديدات المتصاعدة جنوبًا.
ثالثًا، الإشارة إلى البعد الاقتصادي للعلاقة اللبنانية الإيرانية، حيث أعلن عراقجي أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 110 ملايين دولار خلال العام الماضي، في رسالة تؤكد أن طهران لا تنظر إلى لبنان من زاوية أمنية بحتة. واللافت أن الخطاب الإيراني في بيروت جاء هادئًا وغير تصعيدي، ما يعكس إدراكًا واضحًا لحساسية الوضع اللبناني الداخلي،
فيبقى السؤال هل نحن أمام مواجهة وشيكة؟ رغم كثافة التقارير العبرية التي تتحدث عن احتمالات ضربة إيرانية وقائية، وتصريحات مسؤولين أمنيين إسرائيليين توحي بقرب المواجهة، بالرغم أن معظم التقديرات الصادرة عن دوائر القرار ومراكز الأبحاث الدولية تميل إلى اعتبار هذه المرحلة جزءًا من حرب نفسية متبادلة أكثر منها مؤشرًا على قرار نهائي بالحرب. وحتى الآن، لا تزال إيران تفضّل إدارة الصراع ضمن معادلة توازن الردع، فيما تحاول إسرائيل رفع منسوب التهديد والضغط لدفع واشنطن إلى انخراط أعمق. ووسط ذلك، يبقى لبنان ساحة اختبار لهذا التوازن، لا ساحة انفجار شامل.
من هنا نقدر إن زيارة عباس عراقجي إلى لبنان لا يمكن قراءتها كحدث دبلوماسي منفصل، بل كجزء من إدارة إيرانية شاملة لأزمة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة. ما يجري اليوم يتجاوز حدود التصعيد العسكري، ليشكّل صراعًا طويل الأمد على شكل المنطقة، وحدود النفوذ، ومعنى الاستقرار نفسه.
وفي هذا السياق، يبقى لبنان نقطة التقاء دقيقة لكل هذه الحسابات، يُراد له في المرحلة الراهنة على الأقل أن يصمد خارج أتون الانفجار الكبير، وسط عاصفة إقليمية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
بيروت في،، 11/1/2026