ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته كحدث أمني منفصل، ولا كملف قضائي عابر، بل كعملية سياسية متكاملة الأركان. اعتقال رئيس دولة، أو الترويج لاعتقاله، بالتوازي مع ضربات عسكرية، ثم إلصاق تهمة تجارة المخدرات به، ليس تتابعًا عشوائيًا، بل سيناريو مدروس لإسقاط الدولة من الداخل والخارج معًا.
الاعتقال أدّى وظيفته الأساسية: كسر الرمز السيادي. في السياسة الحديثة، لا يشترط أن يُسجَن الرئيس فعليًا كي تُصاب الدولة بالشلل؛ يكفي أن يُقال إن رأسها بات في متناول اليد. هذه ليست ضربة أمنية، بل ضربة نفسية – مؤسساتية، تُزرع من خلالها الشكوك داخل الجيش، والإدارة، والشارع، وتُفتح فجوة بين الدولة وصورتها عن نفسها.
أما الضربات الأميركية، فهي لم تكن تهدف إلى حسم عسكري شامل، بل إلى تثبيت قاعدة أخطر: القدرة على التدخل من دون حرب معلنة، ومن دون شرعية دولية، ومن دون مساءلة. هكذا يُعاد تعريف السيادة بوصفها حالة مؤقتة، لا حقًا ثابتًا. دولة تُقصَف لأنها “مشكلة”، لا لأنها في حرب.
ثم تأتي تهمة “تجارة المخدرات” كذروة المشهد. هذه التهمة تحديدًا ليست اختيارًا قانونيًا بريئًا، بل أقسى أداة لنزع الشرعية دفعة واحدة. حين يُتَّهم رئيس دولة بالمخدرات، يُنزَع عنه وصف الخصم السياسي ويُعاد تعريفه كمجرم عابر للحدود. هنا يُغلَق باب السياسة نهائيًا، ويُفتَح باب المطاردة المفتوحة.
المعلومة التي لا تُقال صراحة أن تهمة المخدرات تُستخدم عندما يراد إسقاط النظام لا تغييره. لأن هذه التهمة:
تُسقِط أي إمكانية تفاوض.
تُبرّر العقوبات بأثر رجعي.
تُشرعن التدخل العسكري أخلاقيًا.
وتحوّل الصراع من نزاع سيادي إلى “مكافحة جريمة”.
الأخطر أن هذه التهمة لا تصدر عن محكمة دولية مستقلة، بل عن أجهزة قضائية لدولة طرف في الصراع. أي أن الخصم هو القاضي، والاتهام هو الحكم، والتنفيذ يتم بالقوة. هنا تُلغى فكرة العدالة، ويصبح القانون ذراعًا أخرى للمدفع.
في هذا السياق، لا يعود اعتقال الرئيس حدثًا منفصلًا عن تهمة المخدرات، بل جزءًا من عملية تجريد متكاملة:
تجريد من الحصانة،
تجريد من الشرعية،
تجريد من الصفة السياسية،
ثم تجريد الدولة من حق الدفاع عن نفسها بوصفها دولة.
فنزويلا هنا تتحوّل من بلد ذي سيادة إلى “ملف أمني”، ومن دولة إلى “مشكلة”، ومن نظام سياسي إلى “شبكة إجرامية” بحسب السردية المفروضة. وحين تُرسَم هذه الصورة، يصبح كل شيء مباحًا: الحصار، القصف، العزل، وحتى إعادة هندسة السلطة من الخارج.
المفارقة القاتلة أن العالم الذي يرفع شعار “محاربة المخدرات” يعرف جيدًا أين تمرّ خطوطها الكبرى، ومن يحميها، ومن يستفيد منها. لكن المخدرات هنا ليست القضية، بل الطاعة. من يطيع يُعفى، ومن يعارض يُجرَّم.
ما يجري في فنزويلا ليس نهاية مرحلة، بل إعلان مرحلة جديدة في النظام الدولي: مرحلة يُسقَط فيها الرؤساء بتهم جنائية، وتُدار الحروب ببيانات قانونية، وتُمحى السيادة تحت عنوان الأخلاق. وهذا أخطر ما في المشهد، لأن السؤال لم يعد: ماذا فعلت فنزويلا؟ بل: من التالي؟
دلال موسى