كتاب واراء

هل أوروبا في مرمى الحرب.؟

 

كتب رياض الفرطوسي 

ليست أوروبا ساحة المعركة المباشرة، لكنها تقف اليوم تحت ضغط غير مرئي لكنه لا يقل قسوة عن المدافع. الحرب الأوكرانية–الروسية، التي اشتعلت منذ سنوات، لم تعد مجرد صراع على الأرض بين كييف وموسكو، بل أصبحت اختباراً قاسياً لأوروبا بأكملها: أمنها، استقرارها، واقتصادها. وما يحدث في أوكرانيا يرن صدىً يتردد في كل عاصمة أوروبية، من لندن إلى ستوكهولم، ومن كوبنهاغن إلى باريس.

 

على الجبهة العسكرية، يظل المشهد شديد السيولة: استمرار حرب استنزاف طويلة، تبتلع الأرواح والعتاد، أو تسوية سياسية صعبة، مؤلمة ومكلفة، تفرضها قوة الواقع على الأرض. وفق منطق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فإن أي اتفاق لن يكون إلا انعكاساً لما فرضته المدافع الروسية على الخرائط: القرم ودونباس ليست مجرد مناطق محتلة، بل أوراق تفاوضية حقيقية لا يمكن تجاوزها.

 

لكن أوروبا تدفع ثمن هذا الصراع ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً واجتماعياً، بطريقة أعمق من أي صاروخ أو قذيفة. بريطانيا والسويد، على سبيل المثال، شعرت بالخطر قبل غيرها؛ إعلان كل من لندن وستوكهولم موقفاً صارماً ضد روسيا أعادها إلى خانة "دول مواجهة"، ما جعل أي اهتزاز أو انهيار في أوكرانيا يهددها مباشرة. الدنمارك والنرويج والسويد وجدت نفسها مضطرة لإعادة النظر في سياساتها الأمنية والاقتصادية في ضوء هذه المعادلات، فكل تراجع أو انهيار محتمل في كييف يعني احتمال تدحرج الأزمة إلى حدودهن.

 

النتيجة ليست مجرد سياسات دفاعية؛ إنها أزمة اقتصادية تطرق أبواب المواطنين. أوروبا تشهد تضخماً لم تعرفه منذ عقود، أسعار الطاقة والمواد الغذائية في ارتفاع مستمر، وغلاء المعيشة أصبح كابوساً يومياً على مائدة كل أسرة. البشر، الأوروبيون العاديون، يشعرون بثقل الحرب في محفظتهم قبل أن يشعروا به في الأخبار. من السويد إلى إيطاليا، ومن فرنسا إلى بريطانيا، المواطن يدفع ثمن جغرافيا صراع لم يختاره، في شكل أسعار تتصاعد، وظائف تتقلص، وخدمات صحية تعاني ضغطاً متزايداً.

 

الصحة العامة أيضاً لم تسلم. غلاء الوقود والطعام وارتفاع تكاليف الحياة أثر بشكل مباشر على التغذية، السكن، والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية. الضغوط النفسية والاجتماعية تتصاعد، والقلق من مستقبل غير مؤكد أصبح جزءاً من حياة ملايين الأوروبيين. إنه تأثير الحرب الذي يتجاوز الميدان العسكري، ويصل إلى قلب كل بيت، ويعيد تعريف مفهوم الأمن من مجرد حماية الحدود إلى حماية القدرة على العيش بكرامة.

 

وفي هذا السياق، الخسارة المحتملة لأوكرانيا لن تكون مجرد انتكاسة سياسية؛ بل ستكون صفعة للأمن الأوروبي، وضربة قاسية لحلف شمال الأطلسي، الذي استثمر مليارات الدولارات وموارده في دعم كييف. روسيا، إذا خرجت من الحرب أكثر قوة وثقة، سترسل رسالة واضحة لكل أوروبا: لا شيء مضمون، حتى الاستقرار الذي اعتقدتم أنه صلب منذ نهاية الحرب الباردة.

 

أوروبا، إذن، ليست على خط النار الأول، لكنها في مرمى نتائجه. الخرائط التي تُرسم اليوم في كييف ودونيتسك هي نفسها التي ستحدد أمنها الاقتصادي والاجتماعي في الأعوام القادمة. الشعب الأوروبي يعيش أزمة مزدوجة: القلق من الحرب، وقلق من معيشته اليومية، من طعامه إلى صحته، ومن وقوده إلى راتبه. كل هذا يجعل من السؤال المطروح ليس مجرد عنوان صحفي، بل حقيقة واقعية:

 

هل أوروبا في مرمى الحرب؟

الإجابة: نعم، ليس فقط بالمدافع، بل بالاقتصاد، بالسياسة، وبحياة الإنسان الأوروبي اليومية. كل صراع في أوكرانيا يترك شظايا في كل بيت أوروبي، ويعيد كتابة مفهوم الأمن من مجرد قوة عسكرية إلى القدرة على البقاء في عالم يختبر كل يوم متانة أوروبا.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد