استجابةً للدعوة التي وجهها الأمين العام لحزب الله، سماحة الشيخ نعيم قاسم، والتي حثّ فيها النخب على تقديم أفكار ومقترحات تساهم في حل إشكالية الحكومة مع سلاح الحزب، وما آلت إليه الأمور بعد القرارات الأخيرة للحكومة اللبنانية، أضع هذه المذكرة.
تأتي هذه الورقة في خضم ظرف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وخطورة، ليس فقط منذ تحرير الجنوب عام 2000، بل في تاريخ لبنان الحديث. فالبلاد لم تعد تواجه مجرد أزمة، بل حالة من الانهيار التام الذي أصاب الدولة نتيجة عقود من الفساد المستشري ونظام المحاصصة، مما أدى إلى تحلل مؤسساتها، وتبخر ودائع شعبها، وتفشي البطالة، وانهيار عملتها الوطنية.
يضاف إلى هذا الواقع الداخلي المتأزم، متغيرات دولية وإقليمية كبرى أعادت رسم المشهد بالكامل. فأزمة غزة التي تجاوزت العامين ونصف تقريبًا ، وما شهدته من دمار شامل وسقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، كشفت عن عجز الدورين العربي والدولي عن لجم العدوان الإسرائيلي. وقد رافق ذلك متغيرات استراتيجية أصابت لبنان والمقاومة في الصميم، لا سيما بعد اغتيال القائد اللبناني العربي الاستثنائي والتاريخي، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وما تلا ذلك من سقوط لسوريا وتقدم الاحتلال الإسرائيلي الذي شارف على العاصمة دمشق وامتد ليشمل نقاطاً جديدة في لبنان.
أمام هذا المشهد الوجودي، الذي وضعتنا فيه الضغوط الأمريكية والدولية، كان لا بد من مقاربة مختلفة تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
لذلك، أقدم هذه المذكرة التي كُتبت بتجرد كامل، بعيداً عن أي مشاعر أو انحياز. لقد تعمدتُ استخدام أكثر المفردات والتعابير حساسية وصراحة، ليس بهدف الاستفزاز، بل انطلاقاً من قناعة بأن معالجة المعضلة الوطنية الكبرى تتطلب مواجهة الحقائق كما هي، مهما كانت قاسية. إن منطق هذه الوثيقة وهيكليتها تمت صياغتهما بالاستناد إلى روح ومبادئ أكثر من عشرين وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة تتعلق بحل النزاعات وبناء السلام، وذلك لتقديم إطار عمل يستند إلى لغة أممية مشتركة يمكن للجميع التلاقي حولها.
الهدف هو تقديم ورقة عمل جادة، لا تهدف لانتصار فريق على آخر، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفتح نافذة في جدار الأزمة المسدود.
او لنعتبر ان هذه الورقة تكشف المستور من وراء الضغط الكبير على لبنان الضعيف لاضعافه اكثر، مقابل مرونة كبيرة مع الكيان الاسرائيلي الذي يعلن صراحة وجهارة عن نيته التوسعية.