بقلم : فاطمة يوسف بصل.
حكاية وطنٍ لم ينطفئ بل احترق بصمت، وما زال رماده ينطق بالحق لمن يُحسن الإصغاء.
في زمنٍ ليس بعيدًا، كانت بيروت تُحترق بالنار... واليوم، تحترق بصمت الرماد.
لم يعد في الشوارع من يهتف، ولا في الساحات من يحتج. كل شيء يبدو هادئًا، لكنه هدوء المقابر. خلف هذا الصمت الرمادي، تصرخ الأطلال: هنا كانت دولة... هنا كانت أحلام.
في لبنان، النيران لم تنطفئ، بل تحوّلت إلى رماد يغزو الهواء، يدخل البيوت، يملأ صدور الناس، ويخنق الأمل.
وهم الإصلاح في بلدٍ منهار
تقول الدولة إنها بدأت بالإصلاح، إنها شكّلت حكومة، وعيّنت حاكمًا جديدًا للمصرف، وأقرّت قانونًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي... لكن المواطن لا يرى سوى مزيد من الضرائب، ومزيد من الانهيار، ومزيد من الموت المؤجل.
تتحدث السلطة عن خطة تعافٍ، بينما يموت اللبناني واقفًا في طابور صيدلية، أو يهاجر على متن طائرة لا عودة منها.
إنه زمن الرماد، حين تكون الدولة موجودة على الورق فقط، وتُسلب السيادة باسم "الدعم الدولي"، وتُحاصر المقاومة باسم "الشرعية".
سيادة مخنوقة… وسلاح محل جدل
"في بلدٍ تُناقش فيه شرعية السلاح أكثر من شرعية الدولة، لا تستغرب إن استُبدلت الكرامة بالتفاهمات، والسيادة بالتصريحات."
ومع كل قمة دولية، وكل زيارة موفد، يعود السؤال نفسه: من يحمي لبنان؟
وحدها المقاومة، رغم الحصار والتحريض، لا تزال تُمسك البوصلة وتعرف الطريق.
إنها فكرة، لا تموت. بندقية لا تُبدَّل بأوسمة، وصوت لا يخضع للغة المال أو التهديد.
الرماد يتكلم… بلغات متعددة
في الجنوب، يتحدث الرماد لغة الحدود والمناوشات والخنادق.
في العاصمة، يتحدث بلغة الدولار والمصارف والانهيار.
في الشمال، يتحدث بلغة الفقر والنسيان.
وفي كل ذلك، يغيب صوت الدولة، ويعلو فقط صوت الرماد... لا صوت نار جديدة، بل بقايا كل ما احترق.
حين يصبح الأمل فعلاً مقاوماً
في زمن الرماد، يصبح الإيمان بوطنٍ يستحق الحياة عملاً مقاوماً.
حين يستقيل السياسيون من ضمائرهم، يصبح الحلم بالعدل موقفًا.
وحين تُمحى الكرامة من قاموس الدولة، يصبح الدفاع عنها فرضًا... لا خيارًا.
لبنان ليس بلدًا عاديًا. إنه كتابٌ مفتوح على كل التناقضات:
تجد فيه من يصرخ باسم السيادة بينما يستورد قراراته،
ومن يذرف دموعًا على المرفأ بينما يُخفي مفاتيح العدالة في درجٍ منسي،
ومن يتغنّى بالوطن بينما يتربّح من تهجيره.
من الرماد يُبعث النهوض… ولكن لمن؟
من يُنقذ لبنان؟
هل تنتشله عواصم القرار من بين أنقاضه؟
أم أن خلاصه لا يحتاج سوى صوت لبناني واحد، لا يُباع ولا يُشترى؟
لبنان لا يحتاج عباقرة اقتصاد بقدر ما يحتاج شرفاء وطن.
الرسالة الأخيرة من تحت الرماد
إلى من يعتقد أن لبنان انتهى: لا، لم ينتهِ.
ما زالت في هذا الوطن حكايات تستحق أن تُروى، وأرواح تعرف كيف تُقاوم الرماد قبل النار.
ما زال فيه طفل يحلم، وأم تزرع الأمل في قلب الجوع.
وما زال فيه من يرفض أن يكون تابعًا في شرقٍ يُكتب له المشهد من عواصم بعيدة.
لبنان في زمن الرماد... لا يعني النهاية، بل أن النهاية لم تقع بعد.
وأن الشعلة لم تنطفئ تمامًا.
وأن العودة ممكنة، إن بقي من يؤمن أن الوطن ليس فندقًا… بل قدر.
لأن الرماد لا يليق بلبنان، بل فقط بمن تركه يحترق.