كتب جليل هاشم البكاء
هل يمكن فصل الدين عن السياسة؟
كثيرًا ما يُروَّج لفكرة أن الدين هو سبب المشاكل والفساد في المجتمعات، وأن الحل يكمن في فصله عن السياسة. هذه الفكرة التي يروج لها أتباع الطغيان ليست سوى وهم ناشئ عن خلط المفاهيم وتشويه الحقائق. فالفساد والفشل اللذان تعاني منهما الدول والمجتمعات ليسا نتيجة حضور الدين، بل نتيجة غيابه أو تهميشه، إضافةً إلى الحرب المستمرة ضد القيم الدينية الحقيقية.
ما يُقدَّم اليوم على أنه مظاهر للتمدن والتطور ليس إلا تقدمًا هشًّا مهددًا بالانهيار في أي لحظة، لأن القوى المهيمنة تعيش في أزمات ناتجة عن الإلحاد المادي الذي يتعامل مع الحياة كغاية نهائية، دون إيمان بما بعد الموت. ومع ذلك، لا تغيب الرموز الدينية عن المشهد السياسي في هذه الدول، لكنها تُستخدم بصورة مشوهة، حيث يُستجلب الخبراء في كل المجالات إلا في الخطاب الديني، حيث يتم التعامل مع المنافقين والدجالين بدلًا من العلماء الحقيقيين.
جوهر المشكلة ... المنافقون وليس الدين
إذن، الخلل ليس في الدين القويم، بل في أولئك الذين يتلبسون بردائه ويشوهون صورته. فقد أشار الله تعالى في كتابه الكريم إلى خيبة المنافقين الذين يفسدون باسم الدين ...
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ... الشمس 9-10
الفلاح الحقيقي يكمن في التزكية والإصلاح، وليس في تحقيق نجاح زائف وسط الفاسدين، لأن كل نجاح يتحقق عبر الفساد هو في جوهره فشل محض. لذا، فإن الحل الصحيح ليس فصل الدين عن الدولة، بل فصل المنافقين عن السياسة، لأنهم سبب الفساد الحقيقي.
أما مسألة فصل الدين عن السلطة، فهي أول خطوة نحو الفساد، ويتفاقم الأمر إذا تحول الدين إلى أداة لخدمة السلطة بدل أن تكون السلطة في خدمة الدين والمبادئ الأخلاقية. وهذا كله يحدث بسبب النفاق والمصالح الضيقة.
العلاقة بين الدين والسياسة
ليس كل من يعمل في السياسة عالمًا بالدين، ولكن كل عالم دين حقيقي لا بد أن يكون له موقف سياسي، لأن السياسة هي ساحة اختبار حقيقية لعلم وإيمان الفقيه. ومن خلال المواقف السياسية، يمكن قياس صدق العالم وتقواه.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أقرب نقطة احتكاك بين عالم الدين والسلطة.
السياسة، بطبيعتها، واسعة ومتشعبة، وهي أشبه بالبحر، بينما السلطة أشبه بالسفينة؛ فكل من في السفينة يوجد في البحر، ولكن ليس كل من في البحر موجود داخل السفينة. وهذا يعني أن ليس كل سياسي في السلطة، فهناك من هم مطاردون أو مسجونون بسبب مواقفهم، بينما هناك في السلطة من لا يمتّ للسياسة بصلة إلا عبر المصالح الشخصية.
الإيمان الحقيقي ومشكلة التمييز
من التضليل أن يُتهم الإيمان أو يُحمل على عاتقه الفساد، فالمؤمن الحقيقي لا يمكن أن يكون فاسدًا، لأن الفساد ناتج عن ضعف الإيمان وغياب الوازع الديني. المشكلة ليست في الدين، بل في عدم التمييز بين المظهر والجوهر، حيث يُدان الدين بسبب سلوك المنافقين الذين يتسترون بعباءته.
الإيمان يتجسد في العمل والعقل، وليس في القول والشكل. له مصداق ومصداقية، ويتجلى حين يتطابق السلوك مع الادعاء.
بهذا، يكون الدين هو الحصن الحقيقي للشعوب، فهو ليس سبب الفساد، بل هو الضمانة الوحيدة لمجتمع عادل ومتماسك. وعليه، فإن إصلاح المجتمع لا يكون بفصل الدين عن السياسة، بل بفصل النفاق عن كليهما، حتى تسود العدالة ويعود الحق إلى نصابه.