كتاب واراء

العاصفة قادمة هل من مستعد...؟

كتب رياض الفرطوسي

 

في عالمٍ يتغير بسرعة، يصبح المثقف والكاتب والمفكر أكثر من مجرد شاهد على الأحداث؛ إنه المستشرف للمستقبل، القادر على التقاط إشارات الرياح قبل أن تعصف العاصفة. دوره ليس فقط في التحذير والتنبيه، بل في الإضاءة على ما هو قادم عندما تغرق المجتمعات في التفاهة والجهل. لكن، ماذا لو كان الصيادون غافلين؟ من سيصغي إلى صرخات التحذير؟

 

عندما يتحول الكاتب إلى شاهد عاجز

ثمة ثلاثة عوائق كبرى تعيق قدرة الكاتب والمفكر على استشراف المستقبل بوضوح:

 

عطب معرفي: ثقافة سطحية تفتقر إلى العمق، عاجزة عن طرح الأسئلة الجوهرية، حيث تصبح الكلمات مجرد صدى في الهواء، دون أن تلامس جوهر الحياة.

 

عطب لغوي: لغة مبتذلة، تفتقد القدرة على التعبير عن تعقيد الواقع، وتتحول إلى أداة بلا تأثير، غير قادرة على صياغة خطاب يوجّه المجتمع نحو الفهم.

 

عطب خيالي: فكر جامد، أسير للماضي، لا يرى المستقبل ولا يتخيله، يكتفي بما هو موجود، غير قادر على تصوير ما يمكن أن يكون.

 

أما أولئك الذين يعيشون في فقاعات الأمل الزائف والخداع الذاتي، فهم يسيرون نحو الهاوية دون أن يدركوا ذلك. يرفعون سقف التوقعات دون أساس، وعندما تنهار أوهامهم، تكون الصدمة أشد قسوة، لأنهم لم يدركوا ما كان يُحاك خلف الأبواب المغلقة.

 

العمى الاجتماعي والعقل المظلم

المجتمعات التي ترفض الوعي بحقائقها تضع حولها أسواراً تعزلها عن العالم. علماء الاجتماع يتحدثون عن "العمى الاجتماعي"، عندما يبدأ المجتمع في تقبل الظواهر المرضية كأنها أمور طبيعية، لمجرد أنها أصبحت مألوفة.

 

هذا ما حذر منه عالم الاجتماع إميل دوركايم، حينما تحدث عن الأنومي (Anomie)، وهي حالة الفوضى الاجتماعية التي تنشأ عندما تفقد القيم الأخلاقية قوتها وتأثيرها، فيصبح التمييز بين الصواب والخطأ أمراً ضبابياً، وتصبح الفوضى هي القاعدة السائدة، مما يؤدي إلى:

 

تآكل الثقة بين الأفراد، حيث يتحول الفساد إلى نمط حياة يومي.

 

تلاشي المؤسسات الاجتماعية، مثل الأسرة والتعليم والدين، التي كانت تشكل حواجز أمام الفوضى.

 

تصاعد الأزمات الاجتماعية، من العنف والتطرف إلى الصراعات الداخلية.

 

أما العمى العقلي، فهو أعمق وأشد خطراً. إنه العجز عن الإحساس بالآخرين، والافتقار إلى التعاطف مع آلامهم. هؤلاء الذين يعيشون في عالمهم الخاص، يبررون أفعالهم المشوهة، يرون العالم بعين واحدة، ويتنقلون بين الواقع والخيال دون أن يشعروا بتأنيب الضمير.

 

في هذا السياق، يذكرنا عالم النفس هيرفي كليكلي في كتابه "قناع العقل" (The Mask of Sanity) بمفهوم الاعتلال النفسي (Psychopathy)، حيث يصف الأفراد الذين يعانون من هذا الاضطراب بأنهم مخادعون، يفتقدون التعاطف، يزعمون الذكاء والقوة، لكنهم عاجزون عن بناء علاقات حقيقية، ويشكلون خطراً حقيقياً على المجتمع.

 

عاصفة العراق: من التأسيس إلى التغليس

منذ تأسيسه، لم يعرف العراق الاستقرار. كان دائماً في قلب العاصفة، حيث المأساة تتكرر من جيل إلى جيل. لم تكن الكوارث السياسية التي شهدها وليدة اللحظة، بل تراكمات لقرنٍ من الاضطرابات التي بدأت حتى قبل حكم صدام حسين، لكنها بلغت ذروتها معه. غير أن الأخطر من العواصف نفسها، هو "التغليس" عنها—تجاهلها، أو التعامل معها وكأنها لم تحدث، رغم أنها تضرب بقوة في كل زاوية من زوايا الوطن.

 

البداية: الدولة الوليدة والمخططات المسمومة

تأسست الدولة العراقية عام 1921، لكن هذا الحدث لم يكن ميلاداً لدولة مستقرة، بل بداية لمأساة ممتدة. فقد شهدت العقود الأولى من عمر الدولة أحداثاً مأساوية متتالية:

 

اغتيال الملك فيصل الأول في ظروف غامضة، يُقال إنه مات مسموماً في مؤامرة دبرتها قوى خفية.

 

الملك غازي، الذي قُتل في حادث سيارة، يُعتقد أنه كان مدبراً.

 

مقتل الملك فيصل الثاني في انقلاب 1958، الذي قاد العراق إلى مرحلة جديدة من الفوضى السياسية.

 

انقلاب 1963 الذي دعمته نفس القوى التي اجتاحت العراق في 2003: أمريكا وبريطانيا، ما جعل العراق أسيراً لصراعاته الداخلية والخارجية.

 

صدام والعاصفة الأخيرة

ثم جاء صدام حسين، الرجل الذي جرّ العراق إلى سلسلة من الحروب الكارثية، التي لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الانقسامات والعنف. ومع كل حرب، كان العراق يزداد ضعفاً، حتى وصل إلى لحظة الانهيار النهائي.

 

وعلى الضفة الأخرى، لم تكن المعارضة العراقية في الخارج أفضل حالًا. كانت منقسمة، بلا مشروع سياسي واضح، وعندما استلمت الحكم بعد 2003، لم يكن همّها بناء دولة، بل الاستحواذ على السلطة بأي ثمن، ما جعل العراق يغرق أكثر في دوامة الفوضى.

 

ومع ذلك.. يبقى الأمل

رغم كل العواصف التي مر بها العراق، يبقى الأمل قائماً. فالتاريخ ليس سوى صراع دائم بين الفوضى والنظام، بين الهدم والبناء، بين الأوهام والحقيقة. التغيير ليس مستحيلًا، لكنه يبدأ من الوعي، من القرار بأن نواجه الحقيقة كما هي، لا كما نرغب أن تكون.

 

في النهاية، سيبقى هناك دائماً من يرى، من يصرخ في الظلام، من يحاول كشف الحقيقة، ومن يقود العاصفة نحو شاطئ الأمل.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة