تقارير خاصة

الشيخ الخالصي يدعو إلى وحدة الأمة ومواجهة التضليل، ويحذّر من الانشغال بالخلافات عن معركة اليوم

 

 

دعا سماحة المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) إلى التثبت من الأخبار ومصادرها، ومواجهة حملات التشكيك والفرقة، مؤكداً أن وحدة الأمة وبناء بدائل وطنية واعية ضرورة لمواجهة التبعية والأزمات التي يعيشها العراق والمنطقة. وفي الخطبة الثانية، شدّد على استلهام سيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها قدوة، وعلى عدم تحويل مناسباتها إلى منابر للفتنة أو الانشغال بالخلافات التاريخية عن قضايا الأمة الراهنة.

 

 

 

الخطبة الأولى: الوعي في مواجهة التضليل وبناء موقف وطني جامع

 

استهلّ المرجع الخالصي خطبته بالدعوة إلى تقوى الله والثقة بوعده بنصرة الدين والمؤمنين، مشيراً إلى أن الدنيا طريق محفوف بالمخاطر، وأن على المؤمن أن يتبصّر في خطواته ويميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والخبر الصادق والإشاعة المغرضة. وحذّر من تصديق الأخبار ونقلها وبناء الخصومات عليها قبل التحقق، داعياً إلى السؤال عن مصادرها ومراجعها، ولا سيما في ظل اتساع وسائل الإعلام والتواصل وسهولة استخدامها للتضليل.

واستحضر ما كان يروّجه مشركو قريش عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وكيف كان بعض الوافدين إلى مكة يُحذّرون من لقائه، فيما قاد وعي آخرين إلى الاستماع إليه والإيمان برسالته. وأشار إلى أن حملات التشويه تتكرر اليوم بأشكال مختلفة؛ فقد تُنسب إلى أشخاص أعمال أو زيارات لم تقع، أو تُثار الشكوك حول من يسعى إلى جمع أبناء العراق والمنطقة على مشروع مشترك. وروى تجربة لقاءٍ جمعه بمجاهد عراقي كردي كان يبحث عن حركة إسلامية واعية، أعقبها تداول اتهامات وإشاعات استهدفت إفشال التواصل، مستفيدةً من الخطاب الطائفي والخلافات الجانبية.

 

ودعا إلى الحذر من حملات منظمة، قال إنها تستهدف بث الفرقة داخل الصفوف المختلفة، بما فيها الصراعات بين القوى الشيعية، والخلافات بين الاتجاهات السنية، وإشغال الناس بالاتهامات المتبادلة. كما انتقد تداول معلومات غير موثقة عن جماعات وأشخاص، مستشهداً بتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدّها دليلاً على ترديد معلومات مضللة من دون معرفة أو تحقق. وأكد أن واجب المؤمنين في هذه المرحلة هو الاعتماد على مصادر موثوقة، ومتابعة الأحداث بوعي، وعدم التسليم بما يصدر عن القوى المعادية أو الجهات التي وصفها بأنها تصطنع أشخاصاً للقيام بأدوار التشكيك والفتنة.

 

وفي الشأن الإقليمي، رأى المرجع الخالصي أن التحولات الجارية تمثل بداية أفول المشاريع المعادية، وربط ذلك بمواقف الشعوب من الحرب على إيران، وبما كشفته قضية غزة من حقائق، وبمواقف المساندة في لبنان واليمن والعراق، وصمود الجمهورية الإسلامية في وجه الهجمات. وأشار إلى مشهد طفلة في هرمزغان كانت على أرجوحة أثناء القصف، وما أثارته صورتها من تفاعل، عادّاً ذلك من الشواهد على تبدل المواقف وتنامي الرفض الشعبي للحرب.

ودعا أبناء العراق إلى متابعة ما يجري وتحمل مسؤولياتهم، مستعيداً ما وصفه بخضوع بعض المسؤولين لشخص قُدّم بصفة سفير، قبل أن يتبين أنه زائف ومتورط في زرع المخدرات في ديترويت. وحذّر من الضعف والتبعية اللذين يدفعان بعض الناس إلى منح القادم من الخارج صفة المصداقية من دون التحقق من هويته وثقافته ومؤهلاته، داعياً إلى الإصغاء أيضاً إلى الأصوات الواعية داخل المجتمعات الأخرى.

 

وأكد أن الأزمة الاقتصادية وتقلبات الدولار والأسعار ليست أصل الأزمة، بل نتيجة لغياب حكم وطني يتولاه أبناء العراق المخلصون والواعون، مشيراً إلى أن مسؤولين ومستشارين يقرّون أحياناً بعدم معرفتهم بأسباب القرارات والتغييرات. ودعا إلى تجاوز مرحلة الاستبداد التي سبقت الاحتلال، وما أعقبها من تبعية وخنوع، والعمل على جعل العراق منطلقاً لوحدة الأمة وبناء كتلة قوية ومشروع جامع ينقذ البلاد.

 

وختم بدعوة المؤمنين إلى تزكية النفس والصبر والثبات، والابتعاد عن الترف الذي يضعف القدرة على مواجهة الشدائد، وتربية الأبناء على التحمل والمسؤولية. وأكد أن التغيير يبدأ بإخلاص العمل لله، والثقة به، والتفكير في شؤون الأمة، والعمل المشترك لإيجاد بدائل صالحة تنقذ العراق والأمة.

 

 

 

الخطبة الثانية: سيرة الزهراء قدوة، وأولوية قضايا الأمة الراهنة

 

توقف المرجع الخالصي عند ذكرى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، واصفاً إياها بالنموذج الأسمى للنساء والرجال، وبالأم الجامعة للأمة. وأكد أن من أبرز معاني سيرتها وسيرة أمير المؤمنين وأبنائهما الصبر على الجراح والتضحيات من أجل ألا تتفرق الأمة، داعياً إلى تقديمها للأجيال قدوةً في الإيمان والعمل والثبات، وتعريف النساء بسيرتها ودورها في نصرة الإسلام.

 

وحذّر من اختزال المناسبة في الحزن والبكاء أو تحويلها إلى وسيلة لإثارة الفتن، داعياً إلى إبراز فضائل الزهراء (عليها السلام) ومواقفها ومعانيها القابلة للاقتداء، والابتعاد عن روايات الغلو التي لا يترتب عليها أثر تربوي أو عملي، وعن سب الآخرين ولعنهم. ونقل عن خطيب في قم دعوته إلى تعريف الناس بسيرتها وكراماتها بما يعزز الاقتداء بها، لا بما يصرفهم عن المعاني النافعة في حياتهم.

 

كما أشار إلى مواقف لعلماء ومراجع دعوا إلى مراجعة بعض الممارسات العاشورائية، مستشهداً بجواب الإمام الخميني عن ضرب الرؤوس بالسيوف والزناجيل: «صلاح نيست»؛ أي إن ذلك لا يصلح. وشدّد على أن الرجوع إلى أهل العلم ينبغي أن يقترن بالالتزام بتوجيهاتهم، لا تعطيلها بدعوى أن لكل مناسبة أحكامها الخاصة.

 

ودعا إلى عدم الانشغال بالخلافات التاريخية والجزئيات عن معركة الأمة في حاضرها، محذراً من دور بعض الفضائيات في استدراج الناس إلى صراعات الماضي وإبعادهم عن قضايا اليوم. وأكد أن حفظ الحقائق التاريخية لا يعني جعلها سبباً لترك مواجهة القصف والدمار والتهديدات الراهنة، مستشهداً بمواقف أمير المؤمنين والإمام زين العابدين (عليهما السلام) في دعم حماية الأمة وأهل الثغور، رغم اختلافهم مع السلطة القائمة آنذاك.

 

وفي سياق حديثه عن العمل الإسلامي، نقل عن الإمام الخميني قوله: «نحن لسنا الإسلام»، موضحاً أن المسلمين يسعون إلى تطبيق الإسلام ولا يدّعون تمثيله تمثيلاً كاملاً أو معصوماً من الخطأ. ودعا من يلاحظ خللاً إلى التنبيه إليه واقتراح البديل الصحيح، بدلاً من الدعوة إلى التوقف والسكوت. كما حثّ من أقرّوا بأخطائهم في العمل السياسي على تصحيحها والعمل لإنقاذ العراق، مؤكداً أن الاعتراف بالخطأ خطوة إيجابية إذا تبعها تغيير عملي، وأن المسؤولية تقتضي رفض اليأس والإحباط والعمل بما يستطيعه المؤمنون.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

سيصدر قريباً المرجع الرسالي… سيرةُ علمٍ وموقفٍ ورسالة

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لرحيل المرجع المجاهد والقائد المجدّد الشيخ محمد مهدي الخالصي (قدّس الله سرّه)، تستعدّ مؤسسة الخلاص الإسلامية لإصدار كتاب «المرجع الرسالي: الشيخ محمد مهدي الخالصي»، من إعداد علي كاظم التميمي.

يعرض الكتاب محطات من سيرته العلمية والجهادية، ومواقفه الفكرية والوطنية، ودعوته إلى وحدة الأمة ونصرة فلسطين، ويضمّ قصائد في مواقفه ورثائه.

كونوا على موعد مع صدوره.