من السوريين الشيعة في لبنان وسورية
إلى جميع اللبنانيين الشيعة،
وإلى ممثلي المرجعيات الدينية الإسلامية الشيعية في سورية ولبنان،
وإلى جميع الفعاليات الاجتماعية والسياسية،
وإلى كل القوى والجهات الداعمة في البلدين.
【الزعامة المفروضة وعقلية المتاجرة بآلام الناس واحتياجاتهم
حين يُحتكر التمثيل ويُحاصَر العمل الأهلي المستقل، من يحمي كرامة المتألمين وحقوقهم؟】
إن معاناة السوريين الشيعة النازحين والمهجّرين إلى لبنان ليست قضية تمثيل أو زعامة أو نفوذ، بل قضية إنسانية وأخلاقية تتعلق بكرامة آلاف الأشخاص والأسر التي تعيش ظروفاً بالغة الصعوبة، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والرعاية والحماية القانونية والاجتماعية.
ومن هنا، فإننا نتوجه بهذا النداء إلى اللبنانيين الشيعة، وإلى المرجعيات الدينية والاجتماعية والسياسية في سورية ولبنان، انطلاقاً من المسؤولية الإنسانية والأخلاقية المشتركة، ومن ضرورة عدم ترك المتضررين وحدهم في مواجهة التشرد والعوز والحرمان.
إن ما نشهده من محاولات احتكار التمثيل والتحدث باسم الناس، ومحاصرة المبادرات الأهلية المستقلة، يطرح تساؤلات جدية حول المسؤولية الأخلاقية والإنسانية للجهات التي تدعم هذا التمثيل وتمنحه غطاءه الاجتماعي والديني.
فهل أصبحت معاناة الناس واحتياجاتهم وسيلة لتعزيز النفوذ واحتكار القرار، بدلاً من أن تكون دافعاً للعمل الجاد من أجل إنقاذهم وحماية حقوقهم؟
إن الوقائع الإنسانية التي نتابعها مؤلمة للغاية؛ فهناك آلاف الأسر التي تعيش في الخيام، ولا سيما في المناطق المحيطة ببعلبك، من دون مساعدات أو رعاية إنسانية واجتماعية كافية.
وهناك أسرة سورية مؤلفة من خمسة أطفال، بينهم أطفال يعانون إعاقات ذهنية، تعرضت للطرد، لتجد نفسها أمام مصير إنساني بالغ القسوة. وهذه الأسرة ليست حالة منفردة، بل نموذج لمعاناة عشرات، بل مئات الأسر التي تعيش ظروفاً مشابهة، وتفتقر إلى الحماية والرعاية وأبسط مقومات الحياة.
وهناك رجل معيل لأسرة، يعاني إعاقة بنسبة 50%، وهو من جرحى الحرب، وصل به اليأس، بعد قطع راتبه وغياب الرعاية، إلى محاولة إحراق نفسه. وهذه أيضاً ليست حالة منفردة؛ فهناك مئات الأشخاص من ذوي الإعاقة وجرحى الحرب يعيشون بلا مأوى أو مساعدة أو متابعة إنسانية واجتماعية كافية.
أما الأسر التي تقيم في الخيام، فقد دخلت فصل الشتاء وهي تفتقر إلى المساعدات والرعاية الإنسانية والاجتماعية الكافية، وتواجه ظروفاً معيشية بالغة القسوة، فضلاً عما تتعرض له، وفق الشكاوى والمعطيات التي تصلنا، من ضغوط وابتزاز من بعض أصحاب الأراضي المقامة عليها هذه الخيام.
إننا أمام واقع إنساني لا يجوز تجاهله أو التقليل من خطورته، ولا يجوز ترك مئات الأسر والأشخاص لمواجهة البرد والتشرد والعوز والابتزاز من دون حماية أو متابعة.
هذه ليست حكايات عابرة، بل حالات إنسانية تستوجب التحقيق والمتابعة والتدخل العاجل. ولدينا الوثائق والمستندات والمعطيات التي تؤيد ما نطرحه، ونضعها في إطار المسؤولية عن حماية حقوق المتضررين وكشف حقيقة ما يتعرضون له.
إن مسؤولية القوى والجهات الداعمة لهذا التمثيل تقتضي أن تقف إلى جانب أي عمل إنساني مستقل وجاد، وأن تساعد في فتح ملفات الأسر المحتاجة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومتابعة أوضاعها القانونية والإنسانية، أسوة بغيرها ممن فُتحت ملفاتهم واستفادوا من برامج الحماية والمساعدة قبل عام 2024.
ولا يجوز أن يُحرم إنسان من حقه في طلب الحماية والمساعدة بسبب غياب التمثيل أو الخلافات أو الحسابات الشخصية، كما لا يجوز أن تتحول المبادرات الإنسانية المستقلة إلى خصم أو منافس لأي جهة دينية أو اجتماعية.
وهنا لا بد من التنبيه إلى مسألة بالغة الأهمية والخطورة:
إن استمرار تجاهل حقوق الجرحى والمصابين، ولا سيما ذوي الإعاقات الناجمة عن الحرب، وأسر الشهداء الذين قدموا أبناءهم وذويهم في ظروف الحرب، وعدم معالجة ملفاتهم بصورة منصفة وشفافة، قد يدفع المتضررين وعائلاتهم، ولا سيما أهالي المعاقين والجرحى وأسر الشهداء، إلى اللجوء للقضاء ورفع دعاوى قانونية في سورية ولبنان وعدد من الدول الأوروبية، للمطالبة بحقوقهم وإنصافهم ومساءلة الجهات المعنية، وفق القوانين والاختصاصات القضائية النافذة.
إن هذا التحذير ليس تهديداً لأحد، ولا دعوة إلى التصعيد، بل هو تنبيه إلى أن الحقوق لا تسقط بالتجاهل، وأن المعاناة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية تحت مظلة التمثيل الحصري أو الاستفراد بالقرار. فحين تغيب المعالجة المنصفة، وتُغلق أبواب الحوار والمتابعة، يصبح اللجوء إلى القضاء حقاً مشروعاً لكل متضرر يبحث عن الإنصاف واسترداد حقوقه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو التحرك العاجل، وفتح الملفات، ومراجعة أوضاع الجرحى والمعاقين وأسر الشهداء، وإيجاد آليات عادلة وشفافة لمعالجة حقوقهم، قبل أن تتسع دائرة النزاعات وتتحول المظالم الإنسانية إلى قضايا قضائية عابرة للحدود.
إننا لا نطالب بمال أو مساعدات تُوزّع عبر أشخاص أو زعامات، ولا نسعى إلى انتزاع موقع من أحد، وإنما نطالب بإنصاف الناس، وحماية كرامتهم، ومساعدتهم على تسوية أوضاعهم القانونية والإنسانية، وتأمين شروط عودتهم الآمنة والكريمة والطوعية إلى سورية متى توافرت الظروف المناسبة.
كما نؤكد أن مسؤولية التضامن لا تقع على جهة واحدة أو بلد واحد؛ فالقضية تستدعي تعاوناً إنسانياً واجتماعياً بين السوريين واللبنانيين، وبين المرجعيات الدينية والفعاليات المدنية والسياسية، بعيداً عن الحسابات الضيقة ومحاولات احتكار القرار أو التحدث باسم الناس من دون الاستماع إلى معاناتهم واحتياجاتهم.
إن احتكار التمثيل لا يعني امتلاك حقوق الناس، والدعم الذي لا يصل إلى المتألمين يفقد معناه الإنساني.
إن كرامة الإنسان وحقوقه ليست ملكاً لزعيم أو جهة أو فريق، والعمل الإنساني المستقل ليس تهديداً لأحد، بل مسؤولية مشتركة لا يجوز تعطيلها أو مصادرتها.
السوريون الشيعة في لبنان وسورية
31 تشرين الأول/أكتوبر 2026