تقارير خاصة

الشيخ علي الخطيب يهنّئ البابا لاون الرابع عشر بسلامته… من رسالة إنسانية إلى آفاق الحوار بين الأديان

 

 

 

متابعة سعيد فارس السعيد

    

 

بعث نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، سماحة العلامة الشيخ علي أحمد الخطيب، برسالة إلى قداسة البابا لاون الرابع عشر، هنّأه فيها بسلامته إثر العملية الجراحية التي أجراها، متمنياً له موفور الصحة والعافية وتمام الشفاء، ومواصلة رسالته الروحية والإنسانية في خدمة الإنسان، وتعزيز قيم المحبة والتسامح والأخوّة بين الشعوب.

وجاء في الرسالة:

«جانب الحبر الأعظم البابا لاون الرابع عشر، الكلي الاحترام،

تحية طيبة وبعد،

نتقدم من حضرتكم شخصياً، وباسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، بخالص التهنئة بسلامتكم إثر العملية الجراحية التي أجريتموها، مقرونةً بأطيب التمنيات بموفور الصحة والعافية وتمام الشفاء، سائلين الله أن يمنحكم القوة والعمر المديد لمواصلة رسالتكم الإنسانية والروحية في خدمة الإنسان، وتعزيز قيم المحبة والتسامح والأخوّة بين الشعوب.

إن العالم، في ظل ما يشهده من حروب وآلام ومعاناة، هو أحوج ما يكون إلى صوت الحكمة والرحمة والسلام الذي تدعون إليه، وإلى الجهود المخلصة في التقريب بين الأديان والثقافات، وترسيخ كرامة الإنسان وحقه في حياة آمنة وكريمة.

راجين لجنابكم دوام الصحة والعافية، ومواصلة رسالتكم النبيلة في نشر المحبة والسلام، وتقبّلوا فائق الاحترام والتقدير وأصدق الدعوات بالشفاء التام».

سماحة العلامة الشيخ علي أحمد الخطيب

نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان

من رسالة التهنئة إلى دلالات التواصل بين المرجعيات الدينية

عند التوقف أمام مضمون هذه الرسالة، لا يقتصر الأمر على تهنئة مرجعية إسلامية لرأس الكنيسة الكاثوليكية بسلامته، بل يفتح المجال للتأمل في دلالات التواصل بين المرجعيات الدينية، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الروحية في عالم تتزايد فيه الحروب والانقسامات والمعاناة الإنسانية.

فالرسالة تبدأ من مناسبة إنسانية مباشرة، هي الاطمئنان إلى صحة البابا والتمني له بالشفاء، لكنها تنتقل إلى مساحة أوسع تتصل بخدمة الإنسان، وتعزيز المحبة والتسامح، والتقريب بين الأديان والثقافات. وهذا الانتقال يمنحها بُعداً يتجاوز المجاملة الرسمية إلى التأكيد على قيم مشتركة تستطيع المرجعيات الدينية الالتقاء حولها، رغم اختلاف العقائد والتقاليد الروحية.

ولعل ما يعزز هذه الدلالة أن الرسالة تأتي بعد زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، التي جرت بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، وشهدت لقاءات مع ممثلي مختلف الطوائف والمرجعيات الدينية اللبنانية، في أجواء أكدت أهمية التفاهم والتواصل بين مكونات المجتمع اللبناني.

زيارة البابا إلى لبنان… لقاء مع الشيخ علي الخطيب يحمل دلالات خاصة

خلال زيارته إلى لبنان، التقى قداسة البابا لاون الرابع عشر ممثلي الأديان في لقاء حواري جامع أُقيم في ساحة الشهداء في بيروت يوم الأول من كانون الأول 2025، وشارك فيه سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ممثلاً المجلس والطائفة الشيعية.

وفي كلمته الترحيبية، عبّر الشيخ الخطيب عن تقديره لزيارة البابا، مرحباً به باسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والطائفة الشيعية عامة، ومؤكداً أن الثقافة الروحية تقوم على الأخوّة الإنسانية، وأن العلاقة بين المختلفين في الدين والمعتقد ينبغي أن تُبنى على الحوار والتعارف والتعاون.

كما شدد في كلمته على أن التعايش بين أتباع الديانات المختلفة هو الأصل، وأن الحروب التي تُشنّ باسم الأديان لا تعبّر عن حقيقة الرسالة الدينية القائمة على حرمة الإنسان وكرامته.

وشملت لقاءات البابا أيضاً اجتماعاً مع عدد من القيادات الإسلامية والدرزية في مقر السفارة البابوية، من بينهم الشيخ علي الخطيب، في لقاء تناول العلاقات بين المكونات الدينية اللبنانية وأهمية الحفاظ على التعدد والتعايش.

وقد عكست هذه اللقاءات مساحة التواصل بين المرجعيات الدينية اللبنانية، وأكدت أن الحوار لا يتعارض مع التمسك بالمعتقدات والخصوصيات، بل يمكن أن يكون وسيلة للتعارف وتعزيز الثقة والتعاون على القضايا المشتركة.

ومن هنا، تكتسب رسالة التهنئة الحالية بُعداً إضافياً؛ فهي تأتي في سياق تواصل سبق أن جمع البابا بالشيخ الخطيب، وتبادل خلاله الطرفان التأكيد على الأخوّة الإنسانية والحوار بين الأديان.

الحوار بين الأديان… من الكلمات إلى المواقف

إن أهمية الحوار بين الأديان لا تكمن في تبادل عبارات التقدير وحدها، بل في قدرته على ترسيخ الاحترام المتبادل، وتخفيف الأحكام المسبقة، وفتح مجالات التعاون في مواجهة التعصب والإقصاء.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التواصل بين المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والكرسي الرسولي بوصفه مساحة لتعزيز العلاقات الإسلامية المسيحية، لا سيما في لبنان، حيث يشكّل التنوع الديني أحد مكونات المجتمع والوطن.

فحماية هذا التنوع لا تتحقق بمجرد الاعتراف بوجوده، بل تحتاج إلى ثقافة وطنية تؤكد المساواة في الحقوق والواجبات، وتصون كرامة كل إنسان، وتمنع تحويل الاختلاف الديني إلى سبب للنزاع أو التمييز.

في زمن الحروب… أين تقف مسؤولية المرجعيات الدينية؟

تكتسب إشارة الشيخ الخطيب إلى الحروب والآلام والمعاناة أهمية خاصة، لأنها تربط الرسالة بمسؤولية إنسانية تتجاوز حدود المؤسسات الدينية ومجتمعاتها.

فالمرجعيات الروحية، بما تمتلكه من حضور معنوي وتأثير اجتماعي، تستطيع الإسهام في تهدئة الخطاب المتوتر، وتشجيع التواصل بين الجماعات، والدفاع عن المدنيين وكرامة الإنسان، ودعم المبادرات التي تسعى إلى وقف الحروب ومعالجة أسبابها.

لكن الأثر الأعمق لهذه المواقف يظهر عندما تتحول القيم المعلنة إلى مبادرات عملية، وإلى تعاون مستمر يواجه خطاب الكراهية، ويحمي حقوق الإنسان، ويشجع على معالجة الخلافات بالحوار والمسؤولية.

فالكلمات تكتسب قيمتها الكاملة عندما تجد طريقها إلى الممارسة، وتصبح أساساً لمواقف تضع حياة الإنسان وحقوقه فوق الحسابات الضيقة والانقسامات الدينية والسياسية.

لبنان… التعدد الديني مسؤولية وطنية مشتركة

في لبنان، تتجاوز دلالة التواصل الإسلامي المسيحي حدود العلاقات بين المرجعيات، لتلامس طبيعة الحياة الوطنية نفسها.

فالتعدد الديني يمكن أن يكون مصدر غنى وتفاعل حضاري، شرط ألا يتحول إلى اصطفافات مغلقة أو أدوات للتنافس السياسي على حساب المصلحة العامة.

ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات التي تعزز الثقة بين المكونات اللبنانية، وتؤكد أن الانتماء الديني لا يتعارض مع الانتماء الوطني، وأن احترام خصوصية كل جماعة يجب أن يسير بالتوازي مع احترام حقوق سائر الجماعات، ضمن دولة تحمي الجميع وتساوي بينهم أمام القانون.

كما أن استقبال المرجعيات الدينية لبعضها البعض، وتبادل رسائل التقدير والتضامن، يمكن أن يساهما في ترسيخ مناخ إيجابي، لكن المسؤولية تبقى مشتركة في تحويل هذا المناخ إلى عمل مؤسسي ومجتمعي مستمر.

الخلاصة: قيمة الرسالة في ما تفتحه من آفاق

إن رسالة سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب إلى قداسة البابا لاون الرابع عشر، بما تتضمنه من تهنئة إنسانية ودعوة إلى تعزيز المحبة والتسامح والأخوّة بين الشعوب، تتيح قراءة أوسع لمسؤولية المرجعيات الدينية في دعم الحوار والتفاهم بين الثقافات والأديان.

وتزداد أهمية هذه الرسالة عند وضعها في سياق زيارة البابا إلى لبنان ولقائه بممثلي مختلف الطوائف، ومن بينهم الشيخ الخطيب، وما حملته تلك اللقاءات من تأكيد على الحوار والتعارف وصون كرامة الإنسان.

ويبقى التحدي الأهم هو أن تتجاوز هذه اللقاءات حدود المناسبات الرسمية، وأن تترجم معانيها إلى تعاون مستمر يعزز الثقة بين اللبنانيين، ويحمي العيش المشترك، ويؤكد أن كرامة الإنسان وحقوقه تظل القاسم المشترك الذي يجمع الجميع.

فحين تلتقي المرجعيات الدينية على خدمة الإنسان، يصبح اختلاف العقائد مساحة للتعارف، لا ذريعة للعداء؛ ويصبح احترام الآخر مسؤولية أخلاقية ووطنية، لا مجرد عبارة تُقال في المناسبات.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

20 تشرين الأول/أكتوبر 2026

ا


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي