تقارير خاصة

سعيد فارس السعيد استقلال الكلمة في زمن الاصطفاف

حوار خاص | 

 

 

سعيد فارس السعيد: استقلال الكلمة في زمن الاصطفاف…

 من أسئلة الدولة إلى مستقبل الشرق.

 

___حين تصبح الكلمة موقفًا، والاستقلال الفكري مسؤولية، والبحث في قضايا الوطن واجبًا يتجاوز الحسابات الضيقة، تكتسب السيرة المهنية معناها الأعمق، ويتحول العمل الإعلامي من مجرد مهنة إلى تجربة في فهم المجتمع والدولة والإنسان.

 

____من هذا المنطلق، 

 

يأتي حوارنا مع الكاتب والباحث الاستراتيجي المستقل سعيد فارس السعيد، الذي جمع في تجربته بين الصحافة والإعلام والعمل المؤسسي والبحث في الرأي العام وقضايا الأمن الاجتماعي والوطني، وواكب محطات مختلفة من الحياة السورية، بما حملته من تحولات وتحديات وأسئلة تتصل بمستقبل الدولة والمجتمع.

 

_____لا يقدم السعيد نفسه بوصفه ممثلًا لحزب أو تيار سياسي أو جهة دينية، بل باعتباره صاحب تجربة مهنية وفكرية مستقلة، يرى أن قيمة الكاتب لا تُقاس بموقعه أو علاقاته أو حجم حضوره، وإنما بقدرته على قول ما يراه حقًا، والاستناد إلى الوقائع، ومراجعة المواقف، وتحمل مسؤولية الكلمة أمام الناس والتاريخ.

 

____وفي هذا الحوار، نتوقف معه عند محطات من مسيرته المهنية، وأسباب تمسكه باستقلالية الرأي، ورؤيته لمسؤولية المحلل السياسي، وتجربته مع حرية الكلمة، فضلًا عن قضايا سورية ولبنان، ومستقبل التمثيل الاجتماعي والديني، وأوضاع السوريين الشيعة في لبنان، وصولًا إلى مضيق هرمز والجنوب اللبناني ومفاتيح الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

إنها محاولة لقراءة العلاقة بين الكلمة والمسؤولية،

 وبين الدولة والمجتمع، 

وبين المصالح الوطنية والتوازنات الإقليمية، من منظور يرى أن السلام لا يتحقق بالشعارات وحدها، وأن الاستقرار لا يُبنى بإقصاء المكونات، بل بضمان الحقوق والواجبات وتعزيز الثقة بين الإنسان ومؤسساته.

وفي جوهر هذه الرؤية، يختصر السعيد رسالته في الدعوة إلى وطن يحفظ حقوق جميع أبنائه، وشرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.

 

أولًا: 

السيرة المهنية وتكوين التجربة.

 

___السؤال الأول: 

لنبدأ من مسيرتك المهنية. 

 

ما أبرز المحطات التي أسهمت في تكوين تجربتك الإعلامية والبحثية؟

 

سعيد فارس السعيد:

بدأت تجربتي من العمل الصحفي والثقافي، حيث عملت في صحيفة «الجماهير الحلبية» ومجلة «الضاد»، وكانت تلك المرحلة مدخلًا مهمًا إلى فهم المجتمع وقضاياه، وإلى إدراك دور الإعلام في تشكيل الوعي العام ونقل هموم الناس.

ثم انتقلت إلى العمل الإعلامي المؤسسي، فتوليت رئاسة مكتب الإعلام في رئاسة جامعة حلب، وعملت مسؤولًا للإعلام والشكاوى في مجلس مدينة حلب. وقد أتاحت لي هذه المواقع الاحتكاك المباشر بقضايا المواطنين، وفهم العلاقة بين المؤسسات العامة والرأي العام، وما يمكن أن يحققه التواصل المسؤول من معالجة للمشكلات وتخفيف للاحتقان.

كما عملت مستشارًا صحفيًا في مكتب الأمن القومي السوري خلال الفترة الممتدة من عام 1984 إلى عام 1992، وكانت من مهامي متابعة الصحافة العربية والأجنبية والإذاعات والمحطات التلفزيونية، وإعداد تقارير يومية تتصل بما تنشره وسائل الإعلام وما تعكسه من اتجاهات ومواقف.

إلى جانب ذلك، شاركت في النشاط الثقافي، وقدمت محاضرات في المراكز الثقافية، وأسهمت في فعاليات ومهرجانات مختلفة، وشاركت في لقاءات تلفزيونية وإذاعية عربية.

هذه المحطات، على اختلاف طبيعتها، أسهمت في تكوين رؤيتي المهنية؛ فالصحافة علمتني الإصغاء إلى الناس، والعمل المؤسسي عرّفني إلى آليات الإدارة ومشكلاتها، ومتابعة الإعلام العربي والدولي وسّعت فهمي للعلاقات بين الأحداث وصناعة الرأي العام.

ولا أنظر إلى هذه التجربة باعتبارها مجرد مواقع شغلتها، بل باعتبارها خبرة تراكمية أستفيد منها في البحث والتحليل وقراءة الوقائع، مع الحرص على استقلال موقفي وعدم تحويل التجربة الشخصية إلى معيار وحيد للحكم على الآخرين.

السؤال الثاني: درست الرأي العام وطرق التأثير. كيف انعكس هذا التخصص على رؤيتك للإعلام والسياسة والمجتمع؟

سعيد فارس السعيد:

تناولت أطروحتي للدكتوراه موضوع «الرأي العام وطرق التأثير»، وهو موضوع يتجاوز دراسة الإعلام بوصفه وسيلة لنقل المعلومات، ليبحث في كيفية تكوّن المواقف العامة، والعوامل التي تؤثر في اتجاهات الناس، والوسائل التي تُستخدم في تشكيل الوعي أو توجيهه.

الرأي العام ليس كتلة واحدة متجانسة، ولا يتكون دائمًا نتيجة معرفة كاملة بالوقائع. فقد يتأثر بالمعلومات المتاحة، والتجارب الشخصية، والبيئة الاجتماعية، والمصالح، والخوف، والأمل، والخطاب الديني والسياسي والإعلامي.

ومن هنا، فإن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على نشر الخبر، بل تشمل التحقق منه، ووضعه في سياقه، والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين التحليل والدعاية، وبين النقد الموضوعي ومحاولات التحريض.

وقد علمتني دراسة الرأي العام أن الناس لا يحتاجون إلى من يصادر عقولهم أو يفرض عليهم موقفًا جاهزًا، بل إلى معلومات واضحة تساعدهم على الفهم والاختيار.

كما أن التأثير ليس سلبيًا في ذاته؛ فقد يكون وسيلة لنشر المعرفة، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتقريب وجهات النظر، ومواجهة الشائعات. لكنه يتحول إلى خطر عندما يُستخدم لتضليل الناس أو إثارة الكراهية أو دفع المجتمع إلى صراعات لا تخدم مصالحه.

لهذا أرى أن الباحث والإعلامي يتحملان مسؤولية مضاعفة: مسؤولية المعرفة أولًا، ومسؤولية كيفية استخدامها وتقديمها إلى الناس ثانيًا.

 

____السؤال الثالث: لك مؤلفات واهتمامات تتصل بالتراث العربي والهوية. 

 

ما الذي يشغلك في هذا الجانب، وما أبرز مشاريعك؟

 

سعيد فارس السعيد:

لدي عدد من المؤلفات التي عملت على إعادة إصدارها وطباعتها، ومنها كتاب «أضواء على الكنيسة المارونية ومار مارون»، إلى جانب مشروعي البحثي «الفروسية عند العرب»، الذي أراه مدخلًا إلى فهم جانب مهم من تاريخ المجتمع العربي وقيمه وتحولاته.

لا أتعامل مع التراث بوصفه مادة للمفاخرة أو وسيلة للانغلاق، بل باعتباره ذاكرة إنسانية يمكن أن تساعدنا على فهم الحاضر وبناء المستقبل، إذا قرأناه قراءة علمية بعيدة عن التقديس غير النقدي أو الرفض المسبق.

فالتراث العربي غني بالتجارب والقيم والمواقف، لكنه يحتاج إلى بحث وتوثيق وتمييز بين ما يحمل قيمة إنسانية مستمرة، وما ارتبط بظروف تاريخية محددة.

ويهمني أيضًا إبراز المساحات المشتركة بين أبناء المنطقة، واحترام التنوع الديني والثقافي، والتأكيد أن الاختلاف لا يلغي الانتماء إلى المجتمع والوطن، وأن المعرفة الحقيقية لا تُبنى على إقصاء الآخر أو التقليل من شأنه.

إن هدفي من البحث والكتابة ليس إضافة عناوين إلى قائمة المؤلفات فحسب، بل تقديم معرفة تساعد الإنسان على فهم ذاته وتاريخه ومحيطه، وتفتح بابًا للحوار بدل أن تتحول إلى أداة جديدة للصراع.

 

ثانيًا: 

استقلال الكلمة ومسؤولية المحلل السياسي

 

___السؤال الرابع: تؤكد باستمرار أنك كاتب وباحث مستقل. ماذا تعني لك الاستقلالية، وهل يمكن للمحلل السياسي أن يكون مستقلًا في بيئة مليئة بالاصطفافات؟

 

سعيد فارس السعيد:

الاستقلالية بالنسبة إليّ ليست شعارًا أستخدمه للتعريف بنفسي، بل موقف أتحمل مسؤوليته في عملي وكتابتي وعلاقاتي العامة.

لم أنخرط في حزب ديني أو سياسي، ولم أرتبط بتنظيم أو جمعية تجعلني ملزمًا بالدفاع عن مواقفها بصرف النظر عن صحتها. وأحرص على ألا تكون كتابتي انعكاسًا لتوجيهات جهة أو مصلحة طرف أو حسابات علاقة شخصية.

هذا لا يعني أنني بلا موقف، أو أنني أقف على مسافة واحدة من الحق والباطل، بل يعني أن موقفي يتحدد وفق الوقائع والمبادئ والمصلحة الوطنية والإنسانية، لا وفق الولاءات المسبقة.

قد أتفق مع جهة في موقف، وأختلف معها في موقف آخر. وقد أؤيد قرارًا أراه صحيحًا، وأنتقد قرارًا أراه خاطئًا، حتى لو صدر عن جهة أوافقها في ملفات أخرى.

الاستقلالية لا تعني الحياد عن حقوق الناس أو الصمت أمام الفساد والظلم، كما لا تعني إطلاق الأحكام بلا أدلة. إنها تعني أن يبقى العقل قادرًا على التمييز، وأن تكون المراجعة ممكنة، وأن يتحمل الكاتب مسؤولية ما ينشره.

وفي زمن الاصطفافات، تصبح هذه المسؤولية أكثر صعوبة، لأن بعض الأطراف لا تريد من الكاتب أن يقرأ الوقائع، بل أن يختار معسكرًا ثم يبرر كل ما يصدر عنه.

أما أنا، فأريد أن أحتفظ بحقي في السؤال والنقد والتصويب، وأن تكون مرجعيتي الأساسية هي الحقيقة بقدر ما أستطيع الوصول إليها، وكرامة الإنسان، ومصلحة الوطن.

 

 

___السؤال الخامس: كتبت عن

 «المحلل السياسي، بين الواجب والمسؤولية». 

 

__ما الفارق بين المحلل السياسي وصاحب الموقف الدعائي؟

 

سعيد فارس السعيد:

المحلل السياسي مسؤول عن تفسير الوقائع، وربط الأحداث بسياقاتها، وقراءة المصالح والاحتمالات، وتقديم تقدير يساعد القارئ على الفهم. أما صاحب الدعاية، فقد يبدأ من نتيجة مقررة مسبقًا، ثم يبحث عن المعلومات التي تخدمها ويتجاهل ما يناقضها.

المحلل الحقيقي لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يحوّل توقعاته إلى حقائق نهائية. عليه أن يوضح ما يعرفه، وما يستنتجه، وما لا تزال الأدلة بشأنه غير مكتملة.

ومن واجبه أن يميز بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة الموثقة والتسريب، وبين الموقف الشخصي والحكم المبني على الوقائع. كما يجب أن يراجع تقديراته عندما تظهر معلومات جديدة، وألا يعتبر الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مكانته.

كذلك لا يجوز للمحلل أن يغفل أثر كلماته في المجتمع. فالتحليل الذي يساهم في فهم المخاطر والبحث عن الحلول يختلف عن خطاب يثير الذعر أو يؤجج الكراهية أو يدفع الناس إلى التخوين المتبادل.

ولا يعني ذلك أن يكون التحليل ضعيفًا أو خاليًا من النقد. يمكن أن يكون حازمًا وواضحًا، وأن يكشف الخلل والفساد والتناقض، لكن قوته يجب أن تأتي من الأدلة والمنطق، لا من المبالغة أو الاتهامات غير المثبتة.

إن واجب المحلل السياسي هو أن يساعد المجتمع على رؤية الواقع بصورة أوضح، لا أن يزيده انقسامًا وضبابية.

 

____السؤال السادس: تحدثت عن قداسة الكلمة وخطورتها على الأمن الاجتماعي والوطني. 

_لماذا تمنح الكلمة كل هذه الأهمية؟

 

سعيد فارس السعيد:

لأن الكلمة ليست مجرد أصوات أو حروف؛ إنها وسيلة لبناء الوعي، وقد تكون في الوقت نفسه وسيلة للهدم والتحريض وإشعال النزاعات.

الكلمة الصادقة يمكن أن تفتح طريقًا للحوار، وتكشف خللًا، وتنصف مظلومًا، وتعيد الثقة بين الناس والمؤسسات. والكلمة المضللة قد تشوه الحقائق، وتزرع الشك، وتحوّل الاختلاف إلى عداوة، وتدفع المجتمع إلى صراعات يدفع الأبرياء ثمنها.

ومن هنا تأتي مسؤولية الكاتب والإعلامي والمحلل السياسي. فالحرية لا تعني أن ننشر كل ما يخطر في أذهاننا دون تدقيق، كما أن المسؤولية لا تعني إسكات النقد أو مصادرة الرأي.

المعيار هو أن نقول ما نعتقد بصحته، وأن نتحقق من المعلومات، وأن نفرق بين نقد الفكرة والإساءة إلى صاحبها، وبين كشف الفساد وإطلاق الاتهامات، وبين التحذير من الخطر وإثارة الذعر.

وتلتقي هذه الرؤية مع قيم دينية وإنسانية واسعة تدعو إلى الصدق والعدل وضبط اللسان واحترام كرامة الإنسان. 

 

فالكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون أداة للتأثير.

أما الأمن الاجتماعي والوطني، فلا يتحققان بإخفاء المشكلات، بل بمناقشتها بوعي، ومعالجة أسبابها، وفتح المجال أمام النقد المسؤول، ومحاسبة من يثبت تقصيره أو فساده وفق القانون.

 

أؤمن بأن الكلمة ينبغي أن تكون جسرًا بين الناس، لا سلاحًا لتدمير ما تبقى من الثقة بينهم.

 

____السؤال السابع: ماذا تقصد بعبارة

 

 «من أغنى الفقراء وأفقر الأغنياء»؟

 

سعيد فارس السعيد:

أقصد بها أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مال أو بما يشغله من موقع، بل بما يحمله من كرامة ومعرفة وقيم وقدرة على العطاء.

قد يكون الإنسان محدود الإمكانات المادية، لكنه غني بوعيه ونزاهته واستقلاله وصدقه، وبقدرته على الوقوف إلى جانب الناس من دون أن ينتظر مقابلًا. وقد يمتلك آخر المال والنفوذ والعلاقات، لكنه يفتقر إلى الثقة والطمأنينة والمعنى، إذا جعل مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار.

لا أريد بهذه العبارة التقليل من أهمية المال أو إنكار حاجة الإنسان إلى حياة كريمة؛ فالفقر المادي مشكلة حقيقية تستوجب المعالجة والعدالة وتكافؤ الفرص. لكنني أرفض اختزال قيمة الإنسان في ثروته أو منصبه.

كما أرفض تحويل المواقع العامة إلى وسائل للامتياز الشخصي، أو استخدام حاجة الناس للحصول على الولاء والتبعية.

إن الغنى الحقيقي، في نظري، هو أن يملك الإنسان القدرة على اتخاذ موقفه بحرية، وأن يحتفظ بكرامته، وألا يبيع قناعته من أجل منفعة عابرة.

 

ثالثًا: 

التجربة الشخصية وحرية الكلمة وعلاقة الكاتب بالدولة

 

____السؤال الثامن:

 مررت بتجارب صعبة بسبب مواقفك وكتاباتك. 

ماذا حدث، 

وكيف أثرت تلك التجارب في رؤيتك لحرية الكلمة؟

 

سعيد فارس السعيد:

لم تكن تجربتي المهنية خالية من الضغوط. ففي عام 2009، وبعد نشر مقال تناول قضايا فساد، تعرض منزلي للمداهمة والتوقيف، وأُفرج عني بعد يومين بقرار قضائي.

ثم شهد عام 2010 تطورات وضغوطًا أخرى، شملت مداهمة أمنية وقيودًا على الحركة والعمل الإعلامي، وصدور تعميم أمني برقم 34367 بتاريخ 9 أيار 2010، إلى جانب منعي من السفر ووضع قيود على إقامتي وحركتي، وممارسة ضغوط دفعت باتجاه استقالتي من عملي.

أذكر هذه الوقائع بوصفها جزءًا من تجربتي الشخصية والمهنية، لا من أجل تقديم نفسي في صورة الضحية، ولا من أجل تحويل الخلافات الماضية إلى خصومة دائمة مع الدولة أو مؤسساتها.

لقد عززت تلك التجربة قناعتي بأن حرية الكلمة ليست ترفًا، وأن النقد المسؤول ينبغي ألا يُعامل بوصفه عداءً للوطن. فالكاتب قد يخطئ في التقدير، ويمكن مناقشة ما يكتبه والرد عليه، لكن الأصل أن تكون معالجة الخلاف بالحوار والقانون، لا بالضغط أو التضييق.

أنا لست ضد الدولة، بل أؤمن بضرورة وجود دولة قوية بمؤسساتها وقانونها وعدالتها. والدولة القوية لا تخشى النقد الموضوعي، وإنما تستفيد منه في كشف الخلل وتصحيح الأداء.

كما أنني لا أرى في التجارب الصعبة مبررًا للانتقام أو الإساءة الشخصية. ما يعنيني هو أن نتعلم منها، وأن نعمل من أجل بيئة تحترم حق الإنسان في التعبير، وتحمي المؤسسات من الفساد، وتحفظ كرامة المواطن.

 

___السؤال التاسع:

 ما موقفك من الشخصيات العامة والدينية والسياسية، ومن المؤسسات التي تتولى الشأن العام؟

 

سعيد فارس السعيد:

لا أتبنى موقفًا ثابتًا من أي شخصية عامة أو دينية أو سياسية لمجرد اسمها أو موقعها أو الجهة التي تقف خلفها. موقفي تحدده الأعمال والمواقف، وما ينعكس منها على حياة الناس وحقوقهم ومصالحهم.

إذا أحسنت شخصية ما أداء مسؤوليتها، وفتحت أبوابها أمام المواطنين، وأسهمت في معالجة مشكلاتهم، فمن واجبي أن أذكر ذلك بصورة منصفة. وإذا ظهر تقصير أو فساد أو استغلال للموقع، فمن حقي وواجبي أن أتناوله بالنقد الموضوعي، بعد التحقق من الوقائع.

ولا أعتبر النقد خصومة شخصية، كما لا أعتبر الإشادة تنازلًا عن الاستقلالية. المعيار واحد في الحالتين: 

ما الذي تحقق للناس؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما الأدلة المتاحة؟ وما الذي يمكن تصحيحه؟

 

أما المؤسسات، فلا يجوز اختزالها في أشخاص، ولا ينبغي أن تتحول إلى ملكية خاصة لأي جهة أو تيار.

 

 قيمتها في دورها العام، وفي قدرتها على خدمة الناس، واحترام القانون، والاستماع إلى الشكاوى، وإتاحة المشاركة والمساءلة.

 

أنا لا أسعى إلى موقع أو نفوذ، ولا أطلب من أحد أن يمنحني امتيازًا.

 

 ما أريده هو الاحتفاظ بحقي في الكلمة المستقلة، وأن أكون قادرًا على الإشارة إلى الخلل والإيجابيات معًا، بعيدًا عن التملق والتشهير.

 

رابعًا: 

سورية والمواطنة والتمثيل الاجتماعي والديني.

 

____السؤال العاشر: كيف تقرأ مستقبل سورية، وما الشروط التي تراها ضرورية لبناء دولة مستقرة؟

 

سعيد فارس السعيد:

مستقبل سورية يجب أن يُبنى على المواطنة، وعلى ضمان الحقوق والواجبات لجميع السوريين، بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو القومية أو المنطقة أو الخلفية السياسية.

لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا شعر جزء من المجتمع بأنه متهم جماعيًا، أو إذا اعتُبرت جماعة كاملة مسؤولة عن مواقف بعض أفرادها. كما لا يمكن بناء الثقة من خلال الانتقام أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الانقسامات بأسماء جديدة.

إن حماية المجتمع تتطلب دولة قادرة على فرض القانون، ومؤسسات عادلة، وإدارة مسؤولة، ومحاسبة تقوم على الأدلة، لا على الانتماءات. وتتطلب كذلك معالجة آثار سنوات الصراع، وإعادة بناء الخدمات والاقتصاد، وتهيئة الظروف لعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.

وأرى أن المصالحة الوطنية ليست تنازلًا عن العدالة، بل طريق إلى منع استمرار النزاع. ويمكن أن تتقدم المصالحة حين تُفتح أبواب الحوار، وتُعالج المظالم، وتُحمى الحقوق، وتُمنع محاولات التحريض الطائفي والمناطقي.

إن سورية لا تحتاج إلى انتصار مكوّن على آخر، بل إلى نجاح الدولة في حماية جميع مكوناتها. فالوطن القوي هو الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات، ويشعر فيه المواطن أن كرامته مصونة، وأن مستقبله لا يتوقف على هويته الدينية أو الاجتماعية.

ولذلك أؤكد أن الولاء الذي أتمسك به هو لله وحده ولسورية وحدها، وأن مصلحة السوريين المشتركة يجب أن تتقدم على الولاءات الضيقة والتدخلات الخارجية.

السؤال الحادي عشر: أثرت مسألة التمثيل الاجتماعي والديني للشيعة في سورية في مواقفك. ماذا تقصد بقولك: «لن أسمح باختطاف إرادة الشيعة في سورية مرة أخرى»؟

سعيد فارس السعيد:

أقصد أن إرادة أبناء المجتمع السوري الشيعي يجب ألا تُختزل في شخص أو مجموعة أو جهة خارجية، وألا يُفرض عليهم تمثيل لا يعبر عن واقعهم واحتياجاتهم وتنوع آرائهم.

أنا لا أطرح نفسي زعيمًا لهذه الجماعة، ولا أسعى إلى احتكار تمثيلها أو تقديم نفسي بديلًا عن أحد. موقفي هو الدفاع عن حق الناس في اختيار من يمثلهم، وفي مساءلة ممثليهم، وفي الاعتراض على أدائهم من دون تخوين أو تهديد.

التمثيل الحقيقي لا يُصنع بالمال أو العلاقات أو الشعارات، بل بالثقة والعمل والقدرة على التواصل مع الناس، والاستماع إلى مشكلاتهم، وتقديم حلول عملية لها.

ولا بد أن يكون التمثيل جامعًا لأبناء المناطق المختلفة، وألا يُربط بولاء سياسي أو ديني ضيق، أو بموقف واحد من التطورات السورية. فمن حق أبناء نبل والزهراء والفوعة وكفريا وحمص ودمشق وبصرى الشام وغيرها من المناطق أن يكون لهم صوت مسموع، وأن تُؤخذ احتياجاتهم في الاعتبار.

كما أرفض استخدام المخاوف أو الأوضاع الصعبة وسيلة للسيطرة على القرار الاجتماعي، أو توظيف حاجة الناس لتكريس زعامات لا تخضع للمساءلة.

إن ما أدافع عنه هو تمثيل مؤسسي، واضح المسؤوليات، قابل للنقد والمراجعة، يعمل ضمن المصلحة الوطنية السورية، ويبتعد عن التطرف والانغلاق.

ولا أرى أن حماية خصوصية أي مكوّن تتعارض مع الاندماج الوطني؛ على العكس، فإن ضمان الحقوق والمشاركة العادلة يعززان الثقة بالدولة ويمنعان استغلال المكونات في صراعات الآخرين.

 

___السؤال الثاني عشر: 

ما مكانة نبل والزهراء في رؤيتك لسورية، وما الذي تحتاجه المنطقتان في المرحلة المقبلة؟

 

سعيد فارس السعيد:

نبل والزهراء جزء أصيل من المجتمع السوري، ولهما تاريخ اجتماعي وثقافي واقتصادي معروف، وقد قدم أبناؤهما الكثير في مجالات التعليم والتجارة والصناعة والعمل العام.

ولا يمكن النظر إلى المنطقتين من زاوية طائفية ضيقة أو اختزالهما في أحداث الصراع. فهما مجتمعان يضمان عائلات وأجيالًا وتطلعات إنسانية، ويحتاج أبناؤهما، مثل سائر السوريين، إلى الأمن والاستقرار والعمل والتعليم والخدمات والفرص.

لقد عانى السكان من ظروف قاسية، ومن آثار الحصار والخوف والتوترات والتحولات التي مرت بها البلاد. ولذلك فإن الأولوية اليوم هي حماية المدنيين، وإعادة الحياة الطبيعية، وتوفير الخدمات، ودعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.

وأؤكد أهمية دعم المصالحة والتعاون، وعدم تحميل الناس مسؤولية جماعية بسبب انتماءاتهم أو مواقف بعض الأطراف في مراحل سابقة.

كما أنني أقدّر كل جهد تقوم به الجهات السورية المعنية لحماية نبل والزهراء وسكانهما، وأرى أن حماية المواطنين مسؤولية وطنية ومؤسسية يجب أن تستمر من دون تمييز.

إن نبل والزهراء ليستا جزيرة منفصلة عن سورية، ولا ينبغي أن تكونا ساحة لتنافس القوى الخارجية. مصلحتهما في الاستقرار، وفي الانفتاح على محيطهما، وفي مشاركة أبنائهما في الحياة الوطنية، وفي بناء علاقات طبيعية مع بقية السوريين.

وأؤمن أن مستقبل المنطقتين سيكون أفضل كلما تعززت المواطنة، وتقدمت المصالحة، وأُتيح للشباب أن يبنوا حياتهم داخل وطنهم بدل أن يبقوا أسرى الخوف والحرمان.

 

____السؤال الثالث عشر: 

كيف تنظر إلى دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وإلى الدور الذي يقوم به سماحة نائب رئيس المجلس العلامة الشيخ علي الخطيب في تعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترك؟

 

سعيد فارس السعيد:

أنظر إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى باعتباره مؤسسة وطنية ودينية جامعة، أسّسها الإمام السيد موسى الصدر في لبنان عام 1967، لتكون بيتًا لكل أبناء الطائفة الشيعية، وإطارًا مؤسسيًا يحفظ حقوقهم ويعبّر عن قضاياهم، ويسهم في تعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترك.

 

إن المجلس ليس مؤسسة خيرية تقتصر مهمتها على تقديم المساعدات، بل هو مؤسسة ذات رسالة وطنية وعربية وإسلامية ودولية، ودور أساسي في حماية الحقوق، وتعزيز الحوار، وترسيخ الشراكة بين اللبنانيين، والدفاع عن سيادة لبنان واستقراره.

 

وفي هذا السياق، أقدّر الدور الذي يقوم به سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في مواصلة مسيرة الإمام موسى الصدر، والتمسك بفكر الاعتدال والانفتاح، وتعزيز حضور المجلس بوصفه مرجعية مؤسسية جامعة، تستمع إلى الناس وتتابع قضاياهم، وتؤكد أن مصلحة لبنان أهم من الجميع وفوق الجميع.

 

إن ما نحتاج إليه اليوم هو تعزيز حضور المجلس الوطني، ومواصلة تفعيل دوره ولجانه، وتطوير قدراته القانونية والاجتماعية والإعلامية، والحفاظ على أبوابه مفتوحة أمام مختلف الفعاليات والكفاءات، بما يتيح له متابعة قضايا المواطنين والدفاع عن حقوقهم ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية.

ومن المهم أيضًا التمييز بين الدور المؤسسي للمجلس والأدوار السياسية والتنفيذية للأحزاب والجهات المختلفة؛

 

 فلكل جهة طبيعة عملها ومسؤولياتها، وينبغي أن تتكامل الأدوار في خدمة لبنان، بعيدًا عن التنافس على احتكار تمثيل الناس.

كما أؤكد ضرورة التمييز بين المساعدات التي قد تُقدَّم إلى لبنان أو إلى أهله أو إلى الجنوب اللبناني، وبين الادعاء بأنها قُدّمت إلى المجلس نفسه.

 

 وقد أوضحت في مواقفي المنشورة، استنادًا إلى المعلومات المتوافرة لديّ، أن المجلس لم يتلقَّ منذ سنوات مساعدات من مرجعيات دينية أو جهات عربية أو إسلامية أو دولية، وأن مثل هذه المسائل ينبغي تناولها استنادًا إلى المعلومات الموثوقة، بعيدًا عن الشائعات والخلط بين المؤسسات والجهات.

 

إنني أرى في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مؤسسة وطنية تستحق أن يُسلَّط الضوء على رسالتها ومكانتها، وأن يُدعَم استمرار حضورها الفاعل في الحياة اللبنانية، لما يمثله ذلك من أهمية في حماية الحقوق وتعزيز العيش المشترك وترسيخ الاستقرار.

 

【وهذا هو الدور الذي أرى أن سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب يعمل على تعزيزه، استمرارًا لمسيرة الإمام موسى الصدر، ومن خلال فكر ونهج الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، بما يجمع بين أصالة الرسالة الدينية، والانفتاح الوطني، واحترام الإنسان، والحرص على وحدة لبنان ومصلحة أبنائه】.

 

خامسًا: 

السوريون الشيعة في لبنان… معاناة صامتة وتفاوت في الرعاية والاهتمام ومخاوف من الكيدية السياسية

 

___السؤال الرابع عشر: 

كتبت عن معاناة السوريين الشيعة في لبنان، وعن شعور بعضهم بالتفاوت في الرعاية والاهتمام. 

 

ما القضية التي تريد تسليط الضوء عليها؟

 

سعيد فارس السعيد:

أتعامل مع هذه القضية من منطلق إنساني وحقوقي ووطني، بعيدًا عن التحريض الطائفي أو الخصومة السياسية. فمنذ عام 2011، استقبل لبنان أعدادًا كبيرة من السوريين الذين لجؤوا إليه بسبب الحرب في سورية، واستفادت فئات واسعة منهم من برامج الرعاية والمساعدات التي تقدمها الجهات الرسمية والمنظمات الدولية والإنسانية، وفق البرامج والمعايير المعتمدة.

لكنني أرى أن هناك معاناة صامتة لدى أسر سورية شيعية تشعر بأنها أقل حظًا في الوصول إلى الرعاية والمتابعة، في ظل ظروف معيشية وقانونية صعبة، ومخاوف تتعلق بالإقامة والترحيل، وصعوبات في الحصول على الوثائق أو الوصول إلى الجهات التي تستطيع متابعة قضاياها.

وبحسب المعطيات التي تناولتها في مقالي، فإن عدد السوريين الشيعة المقيمين في لبنان لم يتجاوز مئة ألف نسمة خلال السنتين اللتين تناولتهما تلك المعطيات. وتضم الأسر المعنية أيتامًا ونساءً معيلات وجرحى وأشخاصًا ذوي إعاقة، يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية، فيما تواجه بعض هذه الأسر الفقر وضعف الإمكانات وصعوبة إيصال صوتها إلى الجهات المعنية.

 

ومن هنا، طرحت سؤالًا جوهريًا:

___ كيف تتوافر برامج واسعة للرعاية والمساعدة لفئات من السوريين المقيمين في لبنان منذ عام 2011، بينما يشعر سوريون شيعة بأنهم خارج دائرة الاهتمام، رغم ما يواجهونه من احتياجات إنسانية ومعيشية؟

إنني لا أطالب بالانتقاص من حقوق أي سوري، ولا بالمفاضلة بين جماعة وأخرى، وإنما أطالب بفهم أسباب التفاوت في الوصول إلى الرعاية والمتابعة، وتوضيح المعايير التي تُعتمد في الاستفادة من البرامج الإنسانية. فإذا كانت هناك عوائق إدارية أو اختلافات في شروط الاستفادة، فمن حق المتضررين معرفة أسبابها ومراجعة قراراتها. أما إذا ثبت وجود تمييز على أساس طائفي أو سياسي، فإن ذلك يستوجب التحقيق والمساءلة وفق القانون.

 

___السؤال الخامس عشر:

 أثرت في مقالك مسألة مواقف الجهات التي كانت ترفع شعارات الحرية والكرامة قبل سقوط النظام السوري السابق. ما الذي تقصده؟

 

سعيد فارس السعيد:

أقصد أن الحرية والكرامة يجب أن تكونا مبدأين ثابتين، لا شعارين يرتبطان بمرحلة سياسية أو بجهة معينة. ولذلك تساءلت: أين أصوات المدافعين عن الحرية والكرامة اليوم، وأين مواقف الفعاليات السياسية والدينية التي كانت تدافع عن حقوق السوريين في لبنان، عندما تتحدث أسر سورية شيعية عن معاناتها ومخاوفها من الترحيل وصعوبات الإقامة وضعف المتابعة؟

هذه أسئلة مشروعة لا تستهدف جهة بعينها، ولا تنكر الجهود التي بذلتها أطراف مختلفة، بل تدعو إلى مراجعة المواقف وإعادة الاعتبار إلى مبدأ أساسي: 

【حقوق الإنسان لا تتغير بتغيّر الأنظمة، ولا يجوز أن تتوقف على الطائفة أو المنطقة أو الموقف السياسي المفترض】.

لا أريد تحويل هذه القضية إلى خصومة مع أحد، بل أريد أن يبقى الدفاع عن الإنسان موقفًا مبدئيًا لا يتبدل بتبدل الظروف والمصالح

 

___السؤال السادس عشر:

 تحدثت عن مخاوف من الكيدية السياسية. هل تتهم جهات لبنانية محددة باستهداف السوريين الشيعة؟

 

سعيد فارس السعيد:

أنا أميز بين عرض الشكاوى والمخاوف وبين الجزم بوجود مخالفات قبل التحقق منها. ما أطرحه هو أن الشكاوى المتعلقة بالإقامة والوثائق والملاحقة والترحيل، إلى جانب الشعور بالتفاوت في الرعاية، تستوجب توضيحًا رسميًا ومراجعة جادة للحالات المعنية.

فإذا ثبت توظيف الخلافات السياسية في التعامل مع الملفات الإنسانية، أو ثبت التمييز على أساس طائفي أو سياسي، فإن ذلك لا يظلم الأشخاص المعنيين وحدهم، بل يضعف الثقة بالمؤسسات، ويمس هيبة الدولة، ويعمّق الاحتقان بين المجتمعين اللبناني والسوري.

إن هيبة الدولة اللبنانية تُصان بتطبيق القانون على الجميع، وبوضوح الإجراءات والقرارات، لا بالتشدد الانتقائي أو ترك الناس أسرى الخوف والتكهنات. وكل حالة يجب أن تُعالج وفق ظروفها الفردية والقانونية والإنسانية، مع احترام حق المراجعة والضمانات القانونية، ومراعاة مبدأ عدم الإعادة القسرية عندما يوجد خطر حقيقي على الحياة أو الحرية أو السلامة.

كما أن سقوط النظام السوري السابق لا يبرر تحميل أي مكوّن سوري مسؤولية جماعية، ولا يجوز أن تتحول التحولات السياسية إلى عقوبة تطال عائلات وأطفالًا وأيتامًا ونساءً معيلات وجرحى وأشخاصًا ذوي إعاقة.

 

___السؤال السابع عشر:

 ما المسؤولية التي تقع على الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية والإنسانية في هذا الملف؟

 

سعيد فارس السعيد:

تقع على الجهات اللبنانية المختصة، وفي مقدمتها رئاسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية والمديرية العامة للأمن العام، إلى جانب المنظمات الدولية والإنسانية المعنية، مسؤولية متابعة هذه الشكاوى وتوضيح الإجراءات والمعايير التي تحكم التعامل مع الحالات المختلفة.

وأرى ضرورة مراجعة الشكاوى المتعلقة بالإقامة والوثائق والملاحقة والترحيل، وتوضيح معايير الاستفادة من برامج الرعاية والمساعدات، وفتح قنوات واضحة للشكاوى تتيح للأسر عرض أوضاعها والحصول على إجابات رسمية.

كما ينبغي إيلاء اهتمام خاص للأيتام والنساء المعيلات والجرحى والأشخاص ذوي الإعاقة وسائر الحالات الأكثر هشاشة، والتحقق من أي ادعاء بوجود تمييز طائفي أو سياسي، واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبتت المخالفات.

ولا بد من تعزيز التنسيق بين السلطات اللبنانية والمنظمات الدولية والجهات الإنسانية، حتى لا تُترك أسرة محتاجة بلا متابعة بسبب ضعف صوتها أو محدودية إمكاناتها.

المطلوب ليس منح امتيازات لفئة على حساب أخرى، وإنما ضمان وصول الرعاية إلى مستحقيها وفق الحاجة الفعلية والمعايير المعلنة، وتحقيق العدالة في المعاملة، بصرف النظر عن الانتماء.

السؤال الثامن عشر: كيف تنظر إلى انعكاس هذه القضية على العلاقات بين لبنان وسورية؟

سعيد فارس السعيد:

العلاقات بين لبنان وسورية أكبر من الخلافات السياسية والطائفية، ومصلحة الشعبين تقتضي حماية الكرامة الإنسانية، ومنع تحويل الاختلافات السياسية إلى خصومات اجتماعية، وإغلاق الأبواب أمام أي ممارسة قد تكرّس التمييز أو تضعف الثقة بالمؤسسات.

إن إنصاف السوريين الشيعة المحتاجين ليس مطلبًا فئويًا، ولا دعوة إلى تفضيل جماعة على أخرى، بل اختبار لعدالة المعايير الإنسانية وصدق التضامن بين البشر. فالدولة التي تحرص على كرامة الإنسان مطالبة بأن تتيح لكل محتاج فرصة الوصول إلى الرعاية، وأن تضمن وضوح الإجراءات وعدالة التعامل، بعيدًا عن الطائفة والانتماء والاعتبارات السياسية.

والحرية التي طالب بها كثيرون قبل سقوط النظام السوري السابق تفقد معناها إذا استُثني منها إنسان بسبب طائفته أو ماضيه أو موقفه السياسي المفترض. لذلك لا نريد تبديل جهة مستهدفة بأخرى، ولا تحويل المعاناة إلى مادة للتحريض، بل نريد إنهاء منطق الاستهداف والتمييز، وترسيخ القانون والعدالة والمساواة.

إن لبنان يستطيع، من خلال مؤسساته وتعاونه مع المنظمات الدولية، أن يجعل العدالة في الرعاية عنوانًا يحمي المجتمع ويعزز الثقة بالدولة. كما تستطيع الفعاليات السياسية والدينية أن تثبت أن دفاعها عن الحرية والكرامة موقف مبدئي لا يتغير بتغيّر الظروف.

إنصاف السوريين الشيعة المحتاجين هو جزء من إنصاف كل إنسان، وحماية كرامتهم ليست امتيازًا يُمنح، بل واجب إنساني وأخلاقي. فالإنسان لا يفقد حقه في الكرامة لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، ولا ينبغي أن يصبح ضعيف الصوت أقل حظًا في الرعاية والعدالة.

غايتنا أن يعيش الجميع بكرامة وأمان، وأن تُعالج المشكلات بالقانون والعدل، لا بالتجاهل أو التمييز، وأن يبقى التضامن الإنساني جسرًا بين الناس لا حاجزًا يفصل بينهم.

سادسًا: سورية ولبنان والعلاقات بين الدولتين

السؤال التاسع عشر: كيف ترى مستقبل العلاقات السورية اللبنانية، وما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه؟

سعيد فارس السعيد:

العلاقة بين سورية ولبنان علاقة جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، ولا يمكن فصل مصير المجتمعين عن بعضهما بصورة كاملة. لكن عمق العلاقة لا يعني تجاهل خصوصية كل دولة أو حقها في السيادة واتخاذ قراراتها الوطنية.

الأساس الصحيح هو الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون بين المؤسسات الرسمية، ومعالجة الملفات المشتركة وفق القانون والمصلحة المتبادلة.

هناك ملفات تحتاج إلى تعاون جاد، من بينها الحدود، وحركة الأفراد، والتبادل التجاري، والنقل، والطاقة، وأوضاع السوريين في لبنان، وعودة المهجرين والنازحين، ومكافحة التهريب والجريمة، وتعزيز الأمن والاستقرار.

ولا ينبغي أن تتحول الخلافات السياسية إلى عداء بين الشعبين، كما لا يجوز استخدام العلاقات الاجتماعية أو المذهبية أداة للتدخل في شؤون الدولة الأخرى.

إن العلاقة السليمة لا تُبنى على الهيمنة أو الارتهان أو تبادل الاتهامات، بل على المصالح المشتركة والشفافية واحترام المؤسسات.

وأرى أن سورية مستقرة ولبنان مستقرًا يشكلان مصلحة مشتركة للبلدين، وأن التعاون المتوازن يمكن أن يفتح فرصًا اقتصادية واجتماعية كبيرة، شرط أن يكون قائمًا على الندية والاحترام المتبادل.

 

سابعًا:

 مضيق هرمز والجنوب اللبناني ومفاتيح أمن المنطقة

 

____السؤال العشرون: في مقالك عن مفاتيح الأمن والاستقرار في المنطقة، ربطت بين مضيق هرمز والجنوب اللبناني. ما الذي يجمع بين هذين الملفين؟

 

سعيد فارس السعيد:

قد يبدو مضيق هرمز والجنوب اللبناني ملفين منفصلين جغرافيًا، لكنهما يرتبطان بمشهد إقليمي واحد، تتداخل فيه المصالح الدولية، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، والصراع على النفوذ، وحسابات الردع والحرب والسلام.

مضيق هرمز ممر حيوي للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي تصعيد يهدد الملاحة فيه يمكن أن ينعكس على الأسواق والاقتصادات وأمن الدول، ولا سيما الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة أو تمر تجارتها عبر الممرات البحرية.

أما الجنوب اللبناني، فهو جزء من معادلة أمنية وسياسية شديدة الحساسية، تتصل بالسيادة اللبنانية، والاعتداءات الإسرائيلية، ووجود القوات الدولية، وعودة السكان والنازحين، ومستقبل الاستقرار على الحدود.

الجامع بين الملفين هو أن التصعيد في أي منهما قد يتجاوز حدود المكان الذي يبدأ فيه، ويؤثر في توازنات المنطقة، كما أن الحلول الجزئية لا تكفي إذا بقيت الأسباب السياسية والأمنية الأساسية من دون معالجة.

لكن الربط بين الملفين لا يعني التعامل معهما باعتبارهما ساحة واحدة أو تجاهل خصوصية لبنان ومصالحه الوطنية. لكل دولة حساباتها وحقوقها، ويجب ألا تتحول الشعوب إلى أدوات في صراعات إقليمية لا تملك قرارها.

إن المطلوب هو خفض التصعيد، واحترام القانون الدولي، وحماية الملاحة، ومنع الاعتداءات، وفتح قنوات التفاوض، والعمل على حلول سياسية تضمن الأمن والسيادة وتحد من مخاطر الحرب.

وأؤكد أن الأمن المستدام لا يتحقق بالتهديد المتبادل وحده، بل بتسويات تعالج أسباب الصراع، وتضمن مصالح الدول، وتحمي المدنيين من دفع ثمن المواجهات.

 

___السؤال الحادي والعشرون: 

 

كيف يمكن التوفيق بين حق لبنان في الدفاع عن نفسه، وضرورة أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة؟

 

سعيد فارس السعيد:

لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية، كما لا يمكن مطالبة اللبنانيين بتسوية ملفاتهم الأمنية والسياسية في ظل استمرار الاعتداءات والاحتلال وغياب الضمانات الفعلية لحماية الحدود والسكان.

 

أنا آمل قيام دولة لبنانية قادرة على حماية أرضها وشعبها، تمتلك المؤسسات والقدرات اللازمة للدفاع عن السيادة، وتكون فيها القرارات الاستراتيجية الكبرى خاضعة للمسؤولية الوطنية والمؤسسات الدستورية.

 

【لكن مع ضرورة الوصول إلى استراتيجية دفاعية وطنية لا ينبغي أن يُطرح بمعزل عن الوقائع الميدانية والسياسية】. 

 

فلا يمكن تجاهل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، أو الاعتداءات، أو مخاوف السكان، أو أوضاع المهجرين والنازحين.

فأي حوار وطني جدي حول استراتيجية دفاعية، وحول وضع قرار الحرب والسلم بيد الدولة، يجب أن يترافق مع مسار واضح يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات، وعودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم، وتوفير الضمانات التي تمنع تكرار الحرب، وتعزيز قدرة الدولة ومؤسساتها على حماية الحدود والسكان.

 

إن المطلوب ليس فرض تسوية داخلية على طرف لبناني قبل معالجة التهديدات الخارجية، ولا ترك الدولة عاجزة عن أداء مسؤولياتها، بل الجمع بين حماية السيادة وتعزيز مؤسسات الدولة وبناء توافق وطني قابل للتطبيق.

ولا يجوز أن تتحول قضية الدفاع عن لبنان إلى مادة للتخوين المتبادل بين اللبنانيين. 

فالمصلحة الوطنية تقتضي حوارًا مسؤولًا، يوازن بين مقتضيات الدفاع عن الأرض والشعب، وضرورة القرار الوطني الجامع، وحق المواطنين في العيش بأمان.

 

كما أن حماية لبنان لا تعني إضعاف علاقاته العربية أو تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. المطلوب دولة قوية، ومؤسسات قادرة، وعلاقات متوازنة، وسيادة فعلية، وسلام يحفظ الحقوق ولا يفرض على الناس الاستسلام للأمر الواقع.

 

___السؤال الثاني والعشرون:

 كيف تقرأ التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الوساطة العُمانية في تجنيب المنطقة مواجهة واسعة؟

 

سعيد فارس السعيد:

التوتر بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن قراءته بمعزل عن الملفات الإقليمية الأوسع، وعن أمن الخليج، ومضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وتوازنات القوى، ومصالح الدول العربية، وتأثير هذه المواجهة المحتملة في الاقتصاد العالمي.

أي صدام واسع لن يبقى محصورًا بين الطرفين؛ فانعكاساته قد تطال دول الخليج والعراق ولبنان وسورية واليمن، كما يمكن أن تؤثر في الملاحة وأسعار الطاقة والتجارة والاستقرار الاجتماعي في المنطقة.

ولهذا أرى أن الأولوية يجب أن تكون لمنع الحرب، وتفعيل المسارات الدبلوماسية، وتجنب الخطوات التي ترفع مستوى التهديد من دون أن تقدم حلولًا قابلة للاستمرار.

أما سلطنة عُمان، فقد عُرفت بدورها في تسهيل التواصل والوساطة بين أطراف متباعدة. ويمكن للدبلوماسية العُمانية، متى توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، أن تساعد في بناء قنوات اتصال، وتخفيف سوء الفهم، وتهيئة الظروف لاتفاقات مرحلية أو تفاهمات أوسع.

لكن نجاح الوساطة لا يتوقف على الوسيط وحده؛ بل يحتاج إلى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، واحترام الالتزامات، ومعالجة المخاوف الأمنية من خلال اتفاقات واضحة وآليات تحقق.

كما ينبغي للدول العربية أن تكون فاعلة في حماية مصالحها، وألا تكتفي بمراقبة الصراع أو تحمل نتائجه. ومن المهم أن تقوم علاقاتها الإقليمية على الحوار والتعاون واحترام السيادة، وأن تسعى إلى منع تحويل أراضيها وممراتها الحيوية إلى ساحات للمواجهة.

إن مستقبل الشرق لا ينبغي أن يبقى رهينة التصعيد العسكري أو صراع النفوذ. المنطقة تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وحضارية كبيرة، لكنها تحتاج إلى إدارة عقلانية للخلافات، وإلى شراكات تنموية، وإلى أن تتقدم مصالح الشعوب على حسابات الهيمنة.

والخيار الذي أدافع عنه هو السلام القائم على الحقوق والضمانات المتبادلة، لا السلام الذي يتجاهل أسباب الصراع، ولا الحرب التي يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.

خاتمة الحوار: الكلمة مسؤولية والمستقبل قرار

السؤال الثالث والعشرون: بعد هذه التجربة الطويلة في الإعلام والبحث والعمل العام، ما الرسالة التي تريد أن تتركها للقارئ وللأجيال القادمة؟

سعيد فارس السعيد:

رسالتي أن يحافظ الإنسان على استقلال عقله وكرامته، وألا يسمح للخوف أو المال أو الموقع أو الانتماء الضيق بأن يصادر حقه في التفكير والسؤال والمراجعة.

لقد علمتني التجربة أن الكلمة مسؤولية، وأن قول الحقيقة يحتاج إلى معرفة وشجاعة وانضباط، وأن النقد لا يكون بناءً إذا تحول إلى تشهير، كما أن الولاء للوطن لا يعني السكوت عن الخطأ أو التنازل عن حقوق الناس.

وأؤمن بأن المجتمعات لا تنهض بإلغاء اختلافاتها، بل بإدارتها على أساس الاحترام والمواطنة والعدالة. ولا يمكن أن يتحقق الأمن الحقيقي إذا شعر الإنسان بأن حقوقه مرتبطة بهويته أو بعلاقاته أو بمقدار قربه من أصحاب النفوذ.

أما منطقتنا، فهي بحاجة إلى مشروع سلام يضع الإنسان في مركز الاهتمام، ويحمي الدول من التفكك، ويمنع تحويل المجتمعات إلى أدوات في صراعات الآخرين، ويفتح الطريق أمام التنمية والتعليم والعمل والتعاون بين الشعوب.

لا أدّعي امتلاك الحلول لكل المشكلات، لكنني أؤمن أن البحث الصادق، والكلمة المسؤولة، والحوار، والمحاسبة العادلة، يمكن أن تساعد في فتح الطرق المغلقة.

ولست معنيًا بأن أكون تابعًا لهذا الطرف أو خصمًا دائمًا لذاك الطرف. ما يعنيني هو أن تبقى الكلمة مستقلة، وأن يكون الإنسان غاية العمل العام، وأن تكون الدولة إطارًا لحماية الحقوق وصون الكرامة، لا وسيلة لاحتكارها.

وأختصر رسالتي في عبارة أتمسك بها:

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام.

بيروت 18 تشرين الأول 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي