مقالات خاصة

الشرق الأوسط على حافة الانفجار

 

 

تحركات موسكو والدوحة ومخاطر التصعيد الأمريكي الإسرائيلي واحتمالات الحرب النووية

 

كتب  سعيد فارس السعيد

 

تكشف التحركات السياسية المتزامنة، من المحادثات القطرية الإيرانية إلى الاتصال الروسي الإيراني، عن اتساع الجهود الدولية لاحتواء أزمة تتجاوز حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، وتمسّ أمن الشرق الأوسط وتوازنات النظام الدولي.

 

فالمسار القطري يفتح نافذة للتفاوض والوساطة، فيما يعكس التواصل الروسي اهتمام موسكو بموقعها في معادلة الأزمة، والحفاظ على قنوات التأثير والتوازن. لكن تزامن هذه التحركات لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق دولي أو تنسيق سري بينها.

في المقابل، يرفع التصعيد الأمريكي الإسرائيلي مستوى المخاطر، خصوصاً مع استمرار الضغوط والتهديدات المتبادلة، وتزايد احتمالات اتساع المواجهة وتحولها إلى حرب إقليمية يصعب احتواء نتائجها.

 

【ولا توجد معطيات موثوقة تثبت اتخاذ قرار باستخدام السلاح النووي، لكن مجرد تداول هذا الاحتمال يكشف خطورة المرحلة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية منع انزلاق المنطقة والعالم إلى مواجهة قد تكون نتائجها كارثية.】

 

إن السياسات التي يقودها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بما تتضمنه من تصعيد ومغامرة عسكرية، تدفع المنطقة والعالم نحو حافة الهاوية. كما تثير الحسابات السياسية والشخصية المحيطة بمواقفهما تساؤلات جدية حول تغليب المصالح الخاصة والاعتبارات السياسية على مقتضيات الأمن والاستقرار الدولي.

ولا يمكن تجاهل التناقضات في الموقف الأمريكي، ولا التساؤلات حول صدقية الوعود والمواقف التي يعلنها ترامب تجاه إيران، في ظل تداخل الضغوط الإسرائيلية مع الحسابات الأمريكية الداخلية والمصالح الاستراتيجية.

وقد يؤدي الإصرار على فرض الوقائع بالقوة إلى نتائج عكسية تتجاوز إيران والمنطقة، وربما يسرّع تراجع نفوذ القوى التي توفر الدعم السياسي والعسكري لهذه السياسات، ويضعف قدرتها على التأثير في النظام الدولي.

 

كيف يمكن لإيران أن تتصرف؟

 

تدرك إيران أن الانجرار إلى حرب شاملة قد يفرض عليها أثماناً باهظة، لكنها تدرك أيضاً أن التراجع أمام تهديدات عسكرية مباشرة قد يضعف قدرتها على الردع ويفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والاعتداءات.

لذلك، يتمثل أحد الخيارات الاستراتيجية أمامها في الجمع بين رفع الجاهزية الدفاعية، وتعزيز قدرات الردع، والاحتفاظ بحق الرد على أي اعتداء، مع مواصلة توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية، وتوسيع دائرة التحرك الدولي لمنع عزلها أو فرض شروط عليها بالقوة.

وفي الوقت نفسه، تبدو إيران معنية بتجنب تقديم الذرائع التي تسمح بتوسيع المواجهة، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وحماية مصالح شعبها، وعدم تحويل الصراع إلى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها.

التداعيات الإقليمية والدولية

إن أي مواجهة واسعة لن تقتصر نتائجها على إيران وإسرائيل، بل ستمتد إلى الخليج والعراق وسورية ولبنان، وتهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية في مضيق هرمز، فضلاً عن المخاطر الإنسانية والاقتصادية والبيئية التي قد يصعب احتواء آثارها.

كما أن اتساع الحرب قد يضع القوى الدولية أمام خيارات معقدة، ويهدد بتغيير توازنات المنطقة، ويفتح الباب أمام أزمات تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم بمساراتها ونتائجها.

 

خلاصة القول:

لسنا أمام أزمة عسكرية عابرة، بل أمام اختبار خطير للعقل السياسي الدولي. فإما أن تنتصر الدبلوماسية وتُفتح أبواب التسوية، وإما أن يقود التصعيد المتبادل إلى انفجار إقليمي ودولي يدفع الجميع إلى تحمل أثمان باهظة.

إن ترامب ونتنياهو، من خلال سياسات التصعيد والضغط، قد يجدان نفسيهما أمام نتائج تتجاوز حساباتهما وأهدافهما، وتسرّع في تراجع نفوذ القوى الداعمة لهما بدلاً من تعزيز مواقعها.

فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تتحول إلى سبب في تراجع أصحابها، والتاريخ لا يحفظ فقط من امتلكوا القوة، بل يذكر أيضاً من أساؤوا استخدامها.

إن أمن المنطقة لا يتحقق بالتهديد والحروب، ولا بإخضاع الدول لإرادة القوة، بل باحترام سيادتها، والعودة إلى الحلول السياسية، ومنع انزلاق العالم إلى مواجهة نووية ستكون عواقبها كارثية على الجميع.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة