مقالات خاصة

الاستراتيجية الإيرانية الجديدة من تطوير منظومة الردع إلى الجاهزية الشاملة والرد الفوري بلا قيود جغرافية

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد

 

تكشف التوجيهات الاستراتيجية التي أصدرها قائد الثورة الإسلامية والقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، السيد مجتبى حسيني الخامنئي، خلال لقائه كبار القادة العسكريين، عن مؤشرات مهمة على تطور في أولويات العقيدة العسكرية والأمنية الإيرانية، في ضوء التحولات التي شهدتها المنطقة، وما أفرزته المواجهات الأخيرة من دروس عسكرية وأمنية وسياسية.

وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مضمونها العسكري، وإنما أيضاً بسبب توقيتها والقيادات التي شملها الاجتماع، والرسائل التي أرادت طهران إيصالها إلى خصومها وإلى الأطراف الإقليمية والدولية.

فالحديث لم يعد مقتصراً على امتلاك قدرات صاروخية أو دفاعية أو هجومية، بل بات يتناول منظومة متكاملة تقوم على الجاهزية القتالية الذكية، وتطوير الاستخبارات العسكرية، وتحديث العقيدة والتكتيكات، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام القيادة في التعامل مع أي تهديد محتمل.

إننا أمام مؤشرات على انتقال في التفكير الاستراتيجي الإيراني، من التركيز على بناء قدرات الردع التقليدية إلى تعزيز القدرة على إدارة المواجهة بمستوياتها المختلفة، والتحكم بتوقيتها وطبيعة الاستجابة ونطاقها.

أولاً: إعادة تنظيم منظومة القرار العسكري والأمني

إن اجتماع قائد الثورة والقائد العام للقوات المسلحة مع كبار القيادات العسكرية يحمل مجموعة من الدلالات الاستراتيجية المهمة.

1- توحيد القرار العسكري والأمني

تؤكد طبيعة الاجتماع أهمية التنسيق بين مختلف مستويات القيادة العسكرية، وتعزيز الترابط بين التقدير الاستخباراتي والقرار العملياتي، بما يسمح بتقليص الفجوة الزمنية بين اكتشاف التهديد واتخاذ القرار المناسب للتعامل معه.

2- تطوير الاستخبارات العسكرية

من أبرز النقاط التي وردت في التوجيهات التأكيد على تعزيز البنية الاستخباراتية العسكرية، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المعلومات في الحروب الحديثة.

فالتفوق العسكري لم يعد مرتبطاً بحجم السلاح وحده، بل بامتلاك المعلومات الدقيقة، والقدرة على تحليلها، وتحديد مصادر التهديد، واستشراف التحركات المعادية قبل تحولها إلى عمليات عسكرية.

3- تحديث العقيدة والتكتيكات الدفاعية

إن التأكيد على تطوير العقيدة الدفاعية الوطنية والتكتيكات العسكرية يشير إلى أهمية استخلاص الدروس من المواجهات السابقة، وإعادة تقييم أساليب الانتشار والدفاع والاستجابة، بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة وتعدد أدواتها.

4- توظيف التكنولوجيا الحديثة

تطوير القدرات الدفاعية والأمنية بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الردع، ولا سيما في مجالات الاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة وتحليل المعلومات والإنذار المبكر.

5- تعزيز القدرات الذاتية والجبهة الداخلية

إن التوجيهات المتعلقة بدعم القوات المسلحة وتلبية احتياجاتها المعيشية وتعزيز معنوياتها، إلى جانب التأكيد على الدعم الوطني للمؤسسة العسكرية، تكشف عن إدراك أن القدرة على الصمود في المواجهات الطويلة لا تقوم على السلاح وحده، وإنما تحتاج أيضاً إلى قاعدة وطنية واجتماعية متماسكة، وقدرة على استمرار الإمداد والتجهيز.

ثانياً: الرد الفوري بلا قيود جغرافية... التحول الأبرز في الرسالة الإيرانية

من أكثر النقاط أهمية في التوجيهات الأخيرة تأكيد السيد مجتبى الخامنئي أن كل مستوى ونوع من التهديد يجب أن يواجه برد فوري وفاعل، من دون قيود جغرافية.

وهذه العبارة تحمل دلالة استراتيجية تتجاوز مفهوم الدفاع عن الأراضي الإيرانية ضمن الحدود الجغرافية التقليدية.

فطهران تريد أن تقول إن تحديد نطاق الاستجابة لن يكون محكوماً بالضرورة بالمكان الذي انطلق منه الاعتداء، وإنما بطبيعة التهديد ومصادره والقدرات المرتبطة به.

ومن الناحية العسكرية، يعني ذلك أن القيادة الإيرانية تسعى إلى الاحتفاظ بهامش أوسع من الخيارات في تحديد طبيعة الرد وتوقيته ونطاقه.

لكن من المهم التمييز بين توسيع الخيارات العسكرية وبين اتخاذ قرار مسبق بتوسيع الحرب؛ فالتوجيهات تعلن مبدأ الرد غير المقيد جغرافياً، ولا تعني بالضرورة أن كل تهديد سيقود إلى مواجهة إقليمية شاملة.

وتكمن الرسالة الأساسية في محاولة تغيير حسابات الخصوم، وإفهامهم أن أي مواجهة جديدة قد لا تبقى محصورة في ساحة جغرافية واحدة.

ثالثاً: بنك الأهداف وتوسيع دائرة الحسابات الاستراتيجية

من المؤشرات اللافتة أيضاً توجيه القائد العام للقوات المسلحة بتحديث بنك الأهداف، بحيث يشمل مختلف الأصول المادية وغير المادية التابعة للخصم الأمريكي والإسرائيلي، ضمن نطاق القدرات الإيرانية.

وهذه النقطة تستحق قراءة متأنية.

فبنك الأهداف يمثل أحد المكونات الأساسية في التخطيط العسكري، ويعكس مستوى المعلومات المتوافرة لدى المؤسسة العسكرية عن قدرات الخصم ومصادر قوته وأصوله المرتبطة بعملياته.

وتوسيع هذا المفهوم يعكس توجهاً نحو دراسة منظومة القوة لدى الخصم بصورة أشمل، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى المنشآت العسكرية التقليدية وحدها.

لكن تحديث بنك الأهداف لا يعني أن جميع الأهداف المدرجة ستُستهدف بالضرورة، كما أن طبيعة الأهداف ومشروعيتها تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

ومن هنا، فإن أهمية هذا التوجيه تكمن في الرسالة الردعية التي يحملها، وفي محاولة إظهار أن إيران تعمل على توسيع معرفتها بمصادر القوة لدى خصومها، وربط هذه المعرفة بالتخطيط العسكري.

رابعاً: وحدة الجبهات وتداعياتها على الأمن الإقليمي

لم تقتصر التوجيهات الإيرانية على القدرات العسكرية الوطنية، بل شملت أيضاً التأكيد على أهمية وحدة جبهات المقاومة، ودورها في التأثير في ملامح النظام السياسي والأمني الجديد في غرب آسيا.

وهنا تبرز واحدة من أكثر القضايا حساسية في مستقبل المنطقة.

فالتداخل بين الساحات الإقليمية، والارتباطات السياسية والعسكرية بين أطراف متعددة، يجعل أي مواجهة جديدة قابلة لتجاوز حدودها الأولى، خصوصاً عندما تتشابك الحسابات الأمنية والمصالح الاستراتيجية للدول والقوى الفاعلة.

ومن منظور طهران، تشكل وحدة الجبهات أحد عناصر الردع الإقليمي.

أما من منظور الدول المجاورة، فإن استمرار تعدد ساحات المواجهة يثير أسئلة تتعلق بسيادة الدول واستقرارها وأمن شعوبها ومصالحها الاقتصادية.

ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة يتمثل في إيجاد معادلة أمنية تحترم سيادة الدول، وتمنع استخدام أراضيها منصات للصراعات، وتحمي أمن الخليج والعراق ولبنان وسائر دول المنطقة.

فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقر من خلال موازين القوة وحدها، بل يحتاج إلى قواعد تفاهم واضحة تضمن المصالح المشروعة لجميع الأطراف.

خامساً: إيران والولايات المتحدة وإسرائيل... إعادة حسابات المواجهة

تأتي هذه التوجيهات في ظل استمرار التوتر بين طهران وواشنطن وتل أبيب، وتزايد الحديث عن احتمالات تجدد المواجهة العسكرية.

ومن الواضح أن إيران تسعى إلى إيصال ثلاث رسائل رئيسية:

الرسالة الأولى: عدم تكرار ظروف المواجهات السابقة.

تريد طهران إظهار أنها تعمل على تطوير منظومتها العسكرية والاستخباراتية، وأنها تسعى إلى الاستفادة من الدروس التي أفرزتها المواجهات السابقة، بما يسمح لها بالتعامل مع التهديدات بصورة مختلفة.

الرسالة الثانية: رفع كلفة القرار العسكري لدى الخصم.

إن الإعلان عن الرد الفوري وغير المقيد جغرافياً، إلى جانب تحديث بنك الأهداف، يستهدف جعل قرار شن أي هجوم جديد مرتبطاً بحسابات أكثر تعقيداً، بالنظر إلى احتمالات اتساع نطاق الرد وتداعياته.

الرسالة الثالثة: الاحتفاظ بحرية المبادرة.

تريد القيادة الإيرانية التأكيد أنها لن تقبل بأن يكون توقيت المواجهة أو شروط إنهائها خاضعاً بالكامل لإرادة الطرف الآخر.

وهذه الرسائل لا تعني أن الحرب أصبحت حتمية، لكنها تكشف عن محاولة إيرانية لإعادة رسم معادلة التهديد والردع.

سادساً: القوة العسكرية والدبلوماسية... مساران متوازيان

من الخطأ قراءة رفع الجاهزية العسكرية الإيرانية باعتباره إعلاناً عن إغلاق أبواب الدبلوماسية.

فالتطورات الجارية تشير إلى استمرار الاتصالات والوساطات الإقليمية، بالتوازي مع التصريحات العسكرية المتشددة.

وفي هذا السياق، تكتسب التحركات القطرية والاتصالات المرتبطة بإمكانية استئناف التفاوض بين واشنطن وطهران أهمية خاصة، باعتبارها مؤشراً على أن المسار السياسي لا يزال حاضراً رغم ارتفاع مستوى التهديدات المتبادلة.

وتقوم المقاربة الإيرانية، وفق ما يمكن استنتاجه من هذه التطورات، على مسارين متوازيين:

المسار العسكري والأمني: تعزيز الجاهزية والردع وتطوير القدرات الدفاعية والاستخباراتية وتوسيع الخيارات العملياتية.

المسار السياسي والدبلوماسي: حماية المصالح الإيرانية، وتوظيف الوساطات، والبحث عن تفاهمات تقلل احتمالات تجدد المواجهة.

لكن نجاح هذا التوازن يرتبط بقدرة جميع الأطراف على منع التصريحات العسكرية والتهديدات المتبادلة من التحول إلى قرارات ميدانية يصعب احتواء نتائجها.

سابعاً: التداعيات على لبنان والخليج والعراق

لا يمكن النظر إلى الاستراتيجية الإيرانية الجديدة بمعزل عن تأثيراتها المحتملة على الدول المحيطة بإيران، ولا سيما لبنان والعراق ودول الخليج.

فأي توسع جغرافي للمواجهة قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن هذه الدول، وعلى حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي.

ويبرز لبنان في هذا السياق باعتباره إحدى الساحات التي تتأثر بصورة خاصة بالتطورات الإقليمية، نظراً إلى تعقيدات واقعه السياسي والأمني، وتشابك الملفات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن المصلحة اللبنانية تقتضي تحييد البلاد عن أي مواجهة جديدة، وتعزيز مؤسسات الدولة وسيادتها وقدرتها على حماية جميع اللبنانيين، بعيداً عن تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

كما أن أمن الخليج ومضيق هرمز والعراق ولبنان مترابط بدرجات مختلفة، الأمر الذي يجعل بناء تفاهمات أمنية إقليمية ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي.

ثامناً: بين الردع ومنع الحرب... الاختبار الحقيقي للاستراتيجية الجديدة

إن امتلاك القدرة على الرد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على منع الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية الجديدة.

فكلما ارتفعت الجاهزية العسكرية وتوسعت الخيارات الردعية، ازدادت أهمية الإدارة السياسية الدقيقة لهذه القدرات، حتى لا يتحول الردع إلى عامل إضافي في توسيع المواجهة.

إن التحدي أمام القيادة الإيرانية لا يقتصر على تطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية، بل يشمل القدرة على تحديد حدود استخدام القوة، وتقدير نتائجها، ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تستنزف قدرات الدولة وشعبها والمنطقة بأكملها.

رأي شخصي:

أرى أن التوجيهات الأخيرة تعكس محاولة إيرانية للانتقال من مرحلة ترميم منظومة الردع بعد المواجهات السابقة إلى مرحلة إعادة تنظيمها على أساس الجاهزية الشاملة والقدرة على الاستجابة السريعة وتوسيع الخيارات الاستراتيجية.

لكنني أعتقد أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لن تتحدد بحجم التهديدات أو اتساع بنك الأهداف، وإنما بمدى قدرة القيادة الإيرانية على تحويل عناصر القوة إلى ضمانات تمنع الاعتداءات وتحمي السيادة، من دون أن تصبح المنطقة بأكملها رهينة لمعادلات التصعيد المتبادل.

كما أن مستقبل الأمن في غرب آسيا لا ينبغي أن يبقى محكوماً بمنطق المواجهة بين المحاور، بل يحتاج إلى تفاهمات إقليمية تشارك فيها الدول المعنية، وتحترم سيادتها، وتؤسس لأمن متبادل لا يقوم على إلغاء مصالح الآخرين.

الخلاصة: من امتلاك القوة إلى إدارة القوة

إن الاستراتيجية الإيرانية الجديدة، كما تعكسها توجيهات 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تشير إلى توجه نحو تطوير مفهوم الردع من خلال تكامل الاستخبارات العسكرية، والتكنولوجيا، والعقيدة الدفاعية، والتكتيكات، والجاهزية القتالية، ووحدة القرار.

والرسالة الأبرز أن طهران تريد امتلاك حرية أكبر في تحديد طبيعة الاستجابة وتوقيتها ونطاقها، وألا تبقى أي مواجهة مستقبلية محكومة بإيقاع الطرف الآخر وحده.

لكن الاختبار الاستراتيجي الأهم سيبقى في قدرة إيران على الجمع بين القوة العسكرية والحكمة السياسية، وبين حماية السيادة ومنع الحرب، وبين تعزيز الردع والمساهمة في استقرار المنطقة.

فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد على الاعتداء، وإنما أيضاً بقدرتها على منع وقوعه، وحماية شعوبها، وصون مصالحها الوطنية، وتحويل عناصر القوة إلى ضمانات للأمن والاستقرار.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني.

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة