【الحضور الإلهي في حياة الإنسان... من الذكر والعبادة إلى نصرة الحق والدفاع عن الوطن وكرامة الإنسان】
خطبة الجمعة – 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026
للعلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان
استهلّ العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب خطبته باستحضار قول الله تعالى في سورة الأحزاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
سورة الأحزاب، الآيات 41–44.
ومن هذه المقدمة القرآنية انطلق الشيخ الخطيب في تناول مفهوم إيماني وفكري عميق، يتمثل في الحضور الإلهي الدائم في حياة الإنسان، مؤكداً أن ذكر الله واستحضار وجوده لا ينبغي أن يقتصرا على أوقات العبادة والشعائر، بل يجب أن يمتدا إلى عقل الإنسان وقلبه ووجدانه وحواسه وأقواله وأعماله ومواقفه، وفي مختلف مجالات الحياة.
إنها رؤية تجعل الإيمان نهجاً متكاملاً للحياة، وتربط العبادة بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية والوطنية، فلا يبقى الدين محصوراً في المظاهر والشعائر، بل يتحول إلى وعي وتفكير وسلوك وممارسة وموقف.
أولاً: الحضور الإلهي في كل تفاصيل الحياة.
الحضور الإلهي ليس مجرد ذكر باللسان أو حالة وجدانية عابرة، بل هو حضور شامل في وعي الإنسان وتفكيره وسلوكه، يوجّه إرادته نحو الخير والحق والصلاح.
فالإيمان بالله سبحانه وتعالى ليس مجرد اعتقاد ذهني بوجود الخالق، ولا يقتصر على أداء العبادات والشعائر، بل هو حالة وعي روحي وفكري وأخلاقي متكاملة، تجعل استحضار الله جزءاً أساسياً من تفكير الإنسان وتدبّره ومشاعره وقراراته وأقواله وأفعاله وعلاقاته بالآخرين.
فالإنسان الذي يستشعر قرب الله منه، ويؤمن بأن الله يعلم ما تخفي نفسه وما يدور في عقله ووجدانه، لا يستطيع أن يفصل إيمانه عن تفاصيل حياته اليومية، أو أن يحصر علاقته بالله في أوقات العبادة، بينما يمارس حياته بعيداً عن القيم والمبادئ التي يؤمن بها.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد: 4).
وقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16).
وقال تعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: 19).
وهذه الآيات تضع الإنسان أمام حقيقة إيمانية عميقة، وهي أن الله محيط بأحواله، عالم بأفكاره ونواياه وأسراره، لا يخفى عليه ما يعلنه أو ما يخفيه في صدره. وهذا الاستشعار يدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه ومحاسبة ضميره قبل أن يحاسب الآخرين.
إن استحضار الله في العقل والقلب والضمير يجعل الإنسان أكثر وعياً بمسؤوليته تجاه نفسه والآخرين، وأكثر قدرة على التمييز بين طريق الخير وطريق الشر.
وفي المقابل، فإن حضور الشيطان يرتبط بالغرائز المنفلتة وطرق الشر والضلال، عندما ينفصل الإنسان عن الضوابط الأخلاقية والقيم التي تحفظ إنسانيته.
ثانياً: الحضور الإلهي في العقل والتفكير... الدين والحياة
توقف الشيخ الخطيب عند بعض الاتجاهات الفلسفية الغربية التي دعت إلى إخراج الدين من السلوك الإنساني ومجالات الحياة العامة، مشيراً إلى أن إبعاد الدين عن حياة الإنسان، إذا أدى إلى إقصاء الضمير الأخلاقي والقيم الروحية والإنسانية، لا يخدم مصلحة البشرية ولا يساهم في بناء الحياة وجمالها.
فالحياة لا تُبنى بالتقدم المادي وحده، ولا يمكن أن تستقيم إذا انفصل العقل عن الضمير، والمعرفة عن المسؤولية، والحرية عن القيم الأخلاقية.
وفي هذا السياق، لا يدعو القرآن الإنسان إلى الإيمان القائم على التقليد أو تعطيل العقل، بل يجعل التفكير والتأمل والتدبر من أبواب الوصول إلى المعرفة والإيمان.
قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران: 190–191).
وقال سبحانه:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).
وهكذا يتكامل الذكر مع التفكير، والإيمان مع العقل، والتأمل في عظمة الخلق مع البحث عن الحقيقة. فالحضور الإلهي في العقل لا يعني تعطيل التفكير، بل توجيهه نحو المعرفة والحق والمسؤولية.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا دعانا الله إلى ذكره واستحضار حضوره بصورة دائمة في حياتنا؟
والجواب أن الذكر ليس كلمات تُقال فحسب، بل هو وعي دائم بالله، واستحضار للمسؤولية، والتزام بالحق والخير والصلاح.
ثالثاً: الحضور الإلهي في القلب والوجدان والضمير
إن استشعار الإنسان قرب الله منه يمنحه الطمأنينة والسكينة، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الخوف والقلق والاضطراب، وأكثر وعياً بذاته وبمسؤوليته تجاه الحياة.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
وقال سبحانه:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205).
وفي المقابل، يحذر القرآن من أن يؤدي نسيان الله إلى فقدان الإنسان بوصلته الأخلاقية والروحية، فيقول تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر: 19).
وهنا تتجلى حقيقة إنسانية عميقة: أن الإنسان حين يفقد صلته بالقيم الإلهية قد يفقد تدريجياً صلته بحقيقة نفسه، وبالمعنى الأسمى لوجوده ومسؤوليته.
رابعاً: العبادة معرفة ومحبة وليست خوفاً أو طمعاً
واستحضر الشيخ الخطيب المعنى العميق المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
«إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».
وهو معنى يعبّر عن مرتبة متقدمة من المعرفة الإيمانية، حيث تنطلق العبادة من المحبة والإدراك العميق لعظمة الله، وليس من الخوف أو انتظار المقابل.
فالإنسان الذي يعرف الله معرفة حقيقية لا يجعل العبادة مجرد وسيلة للحصول على منفعة أو تجنب عقوبة، بل يجعلها تعبيراً عن الإيمان والمحبة والوفاء.
وفي هذا السياق، حضرت مكانة الإمام علي عليه السلام في المعرفة الإلهية، كما حضرت الدلالات الروحية والمعنوية لحديث الكساء ومكانة أهل البيت عليهم السلام، بما تحمله من معانٍ إيمانية عميقة.
خامساً: العبادة ليست الصلاة والصوم والحج وحدها... خدمة الناس عبادة
من أبرز المعاني التي حملتها الخطبة توسيع مفهوم العبادة، وعدم حصرها في الشعائر والفرائض الدينية وحدها.
فالصلاة والصوم والحج وسائر العبادات المعروفة تشكل ركناً أساسياً في علاقة الإنسان بربه، لكن العبادة تمتد أيضاً إلى كل عمل صالح يؤديه الإنسان وهو يستحضر الله في نيته وضميره وسلوكه.
إن مساعدة المحتاج، وقضاء حوائج الناس، والوقوف إلى جانب المتألمين، ورعاية الضعفاء، والدفاع عن المظلوم، وصيانة كرامة الإنسان وحقوقه، كلها أعمال تحمل معنى العبادة عندما تنطلق من الإيمان والإخلاص والنية الصالحة.
وكذلك فإن الدفاع عن الوطن وحماية كرامته وشرفه، والقيام بالمسؤولية تجاه المجتمع، والوقوف في وجه الظلم والاعتداء، هي مواقف تتصل بالمسؤولية الإيمانية والأخلاقية.
وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل الخطبة: لا تنفصل العبادة عن الإنسان، ولا يكتمل الإيمان إذا لم يتحول إلى عمل صالح وخدمة للناس وصون لكرامتهم.
سادساً: التقوى أساس المعرفة والسلوك
وأكد الشيخ الخطيب أهمية التقوى باعتبارها المعيار الذي ينبغي أن يحكم علاقة الإنسان بربه وبالآخرين، مستحضراً قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282).
فالتقوى ليست مظهراً دينياً أو كلمات تُقال، بل هي مسؤولية أخلاقية وعقلية وسلوكية، تجعل الإنسان ملتزماً بالحق والعدل، بعيداً عن المصالح الشخصية والمجاملات التي تتعارض مع ضميره وقناعاته.
ومن هنا جاء التأكيد على أن العالم ينبغي أن يكون تقياً، وألا يجعل إرضاء بعض الناس مقدماً على رضا الله، أو يتخلى عن الحق إرضاءً لأصحاب المصالح والنفوذ.
فالمعرفة من دون تقوى قد تتحول إلى أداة لخدمة المصالح، أما المعرفة المرتبطة بالتقوى فتتحول إلى مسؤولية في خدمة الحق والإنسان والمجتمع.
سابعاً: الحضور الإلهي في السلوك والأخلاق والعلاقات الإنسانية
لا تكتمل حقيقة الإيمان بمجرد المعرفة أو القول، بل تظهر قيمته الحقيقية في سلوك الإنسان وتعاملاته ومواقفه، ولا سيما عندما يمتلك القدرة على الظلم أو الإساءة أو استغلال الآخرين.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).
وقال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).
إنها دعوة إلى إدراك مسؤولية الكلمة، فلا تكون وسيلة للتحريض أو الإساءة أو التضليل، بل وسيلة للحق والإصلاح والتفاهم.
ويضع القرآن العدل والإحسان في صميم المسؤولية الدينية والإنسانية، فيقول تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).
كما يؤكد أن المسؤولية عن الخير والشر لا تسقط مهما بدا العمل صغيراً:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7–8).
وهذا يعني أن الإيمان الحقيقي ينبغي أن ينعكس في احترام كرامة الإنسان، وصون حقوقه، والابتعاد عن الظلم والتعصب والكراهية، والتحلي بالرحمة والتسامح والإنصاف، حتى عند الاختلاف.
ثامناً: الإيمان يمنح الإنسان القوة... والحضور الإلهي في اتخاذ القرار
ومن المعاني المهمة في الخطبة التأكيد على أن الله يحب المؤمن القوي.
فالإيمان ليس مصدر ضعف أو انسحاب من الحياة، بل هو مصدر قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الصعوبات، وتحمل المسؤوليات، والثبات على الحق، وعدم الخضوع للضغوط عندما تتعارض مع القيم والمبادئ.
كما أن استحضار الله في حياة الإنسان لا يعني الانسحاب من الواقع أو التخلي عن التفكير والتخطيط، بل يعني اتخاذ القرار بوعي ومسؤولية، وبذل الجهد، ثم التوكل على الله.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
وقال سبحانه:
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
وهكذا يرسم القرآن منهجاً متكاملاً للحياة يقوم على التفكير والتدبر والمشاورة والعزم والعمل والاجتهاد، ثم التوكل والاستعانة بالله.
فالحضور الإلهي في القرار يمنح الإنسان ميزاناً أخلاقياً يميّز به بين المصلحة والأنانية، وبين القوة والعدوان، وبين الحق والباطل.
والقوة الحقيقية ليست في امتلاك السلطة أو المال أو النفوذ وحدها، بل في امتلاك الضمير الحي والإرادة الصلبة والقدرة على التمسك بالحق.
تاسعاً: الحضور الإلهي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
لم يحصر الشيخ الخطيب الحضور الإلهي في المجال الفردي أو الروحي، بل امتد به إلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهذا يعني أن الإيمان ينبغي أن يكون حاضراً في إدارة شؤون المجتمع، وفي التعامل مع مصالح الناس وحقوقهم، وفي ممارسة المسؤوليات العامة، وفي اتخاذ القرارات التي تمس حياة الإنسان ومستقبله.
فالأمانة في العمل عبادة، والعدل في المسؤولية عبادة، وحماية حقوق الناس عبادة، ومكافحة الظلم والفساد مسؤولية أخلاقية وإيمانية.
ولا يمكن الحديث عن حضور الله في حياة الإنسان إذا كان هذا الحضور غائباً عن ممارساته اليومية، أو إذا انفصلت الشعارات الدينية عن السلوك العملي.
إن المجتمعات لا تُبنى بمجرد كثرة الشعارات الدينية، ولا يُقاس عمق الإيمان فيها بعدد الكلمات والخطابات والمظاهر، وإنما بما تنتجه من عدالة ورحمة وأمانة وتكافل واحترام للإنسان وحقوقه.
فقد يكون الإنسان كثير الحديث عن الدين، لكنه بعيد عن جوهره إذا ظلم أو كذب أو استغل حاجة الآخرين أو اعتدى على كرامتهم وحقوقهم. وقد يكون استحضار الله في كلمة حق، أو مساعدة محتاج، أو إنصاف مظلوم، أو الامتناع عن ظلم إنسان، تعبيراً عميقاً عن حقيقة الإيمان وأثره في الحياة.
عاشراً: من الحضور الإلهي إلى المسؤولية الوطنية... الأرض ستتحرر والأهالي سيعودون
في امتداد واضح لمفهوم الحضور الإلهي في مختلف مجالات الحياة، انتقل العلامة الشيخ علي الخطيب إلى الشأن الوطني اللبناني، متناولاً مسؤولية السلطة اللبنانية تجاه التطورات السياسية والوطنية، وما يعانيه اللبنانيون من استمرار الاحتلال والاعتداءات والتهجير.
ودعا السلطة اللبنانية إلى مراجعة مواقفها، وقراءة التطورات بصورة جيدة، والاستفادة من دروس الماضي وأحداثه، وتصحيح خياراتها في ضوء ما لم تحققه الرهانات والمساعي السابقة من نتائج للمطالب اللبنانية.
وتناول في هذا السياق اتفاق الإطار، معتبراً أن الرهان على المفاوضات لم يحقق النتائج المطلوبة، في ظل رفض إسرائيل تنفيذ المطالب اللبنانية، ومشدداً على ضرورة إدراك أن الخضوع للإملاءات الأميركية لن يؤدي إلى تحقيق المصالح الوطنية اللبنانية.
كما استحضر تجربة اتفاق 17 أيار وكيف أُلغي، داعياً أركان السلطة إلى قراءة التاريخ واستخلاص العبر، وعدم تجاهل التحولات القائمة والدروس التي تقدمها التجارب السابقة.
وتوقف عند مسألة التضامن الداخلي، مشيراً إلى أن وحدة الموقف والتماسك الوطني يحولان دون قدرة الآخرين على التأثير في لبنان وفرض إراداتهم عليه.
وفي هذا السياق، طرح تساؤلات حول ما تحقق لمصلحة لبنان، وتناول مسألة العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منتقداً ما اعتبره تأثراً بالصوت السياسي والإعلامي وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.
وفي قراءته للتطورات الإقليمية والدولية، أشار إلى أن القوة الأميركية ليست قوة دائمة، وأن الحق هو الذي ينتصر في نهاية المطاف.
وكانت رسالته الوطنية الأبرز تأكيده أن الانتصار آتٍ، وأن الأرض ستتحرر، وأن الأهالي سيعودون إلى قراهم وبلداتهم، وستُعمّر ديارهم، وسيخرج العدو خاسراً.
وربط الشيخ الخطيب هذا الموقف بصمود اللبنانيين وتضحيات الشهداء، مشيداً بالشعب الذي يتحمل المعاناة والآلام، ومؤكداً أن أهلنا هم عزتنا ومجدنا وشرفنا ومصدر فخرنا.
إن هذا المحور يضع قضية الأرض والإنسان والعودة والإعمار في قلب المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ويؤكد أن الإيمان لا ينفصل عن الدفاع عن الوطن وكرامة أبنائه وحقهم في العيش الآمن على أرضهم.
الحادي عشر: وحدة الموقف والتضامن الوطني... حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان
من المعاني التي تستحق التوقف عندها في الخطبة الربط بين القوة الإيمانية والقوة الوطنية.
فالحضور الإلهي الذي يمنح الإنسان الثبات والشجاعة في مواجهة الظلم، ينبغي أن ينعكس أيضاً على الجماعة الوطنية، من خلال التضامن والتكافل وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية.
إن المجتمع المتماسك، الذي يحفظ كرامة أبنائه ويقف إلى جانب المتضررين والمهجرين، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والضغوط.
كما أن حماية الأرض لا تكتمل من دون حماية الإنسان الذي يعيش عليها، ولا تتحقق العودة بمجرد إعلان المواقف، بل تحتاج إلى صون الحقوق وإعادة الإعمار وتأمين شروط الحياة الكريمة والاستقرار.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الإيمان والعمل، وبين الثبات على المبادئ وتحمل المسؤولية الوطنية، وبين الدفاع عن الأرض والاهتمام بأهلها واحتياجاتهم.
خلاصة الإضاءات: حين يصبح الحضور الإلهي نهجاً متكاملاً للحياة
إن الرسالة المحورية التي يمكن استخلاصها من خطبة العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب هي أن الحضور الإلهي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المساجد وأوقات الصلاة والشعائر، بل يجب أن يكون حاضراً في ضمير الإنسان وعقله وقلبه وسلوكه، وفي كل موقع يتحمل فيه مسؤولية تجاه الآخرين.
فالحضور الإلهي الحقيقي يعني أن يستحضر الإنسان الله عندما يفكر فيتحرى الحقيقة، وعندما يتكلم فيصدق، وعندما يختلف فيعدل، وعندما يمتلك القوة فلا يظلم، وعندما يستطيع الانتقام فيختار العدل، وعندما يكون وحيداً فلا يخون الأمانة.
فالعبادة ليست مجرد أداء للفرائض، وإنما هي أيضاً عمل صالح، وخدمة للناس، وقضاء لحوائجهم، ودفاع عن المظلوم، وصيانة للوطن والكرامة والحقوق.
كما أن المسؤولية الإيمانية لا تنفصل عن المسؤولية الوطنية، ولا يمكن أن يكون الإنسان حاضراً مع الله في عبادته، ثم يغيب عن قضايا وطنه وحقوق شعبه ومعاناة أهله.
إن الإيمان الذي لا ينعكس على سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين، ولا يتحول إلى عدل ورحمة وأمانة ومسؤولية، يفقد جانباً أساسياً من غايته الإنسانية.
فحين يصبح الله حاضراً في ضمير الإنسان، يصبح العدل حاضراً في قراراته، والرحمة في قلبه، والصدق في لسانه، والأمانة في عمله، والإنسانية في سلوكه.
ومن هنا يصبح الحضور الإلهي نهجاً متكاملاً للحياة، وتصبح العبادة مشروعاً إنسانياً وأخلاقياً ووطنياً يتجاوز حدود الفرد إلى المجتمع والوطن، ويجعل من الإيمان قوة لبناء الحياة، ونصرة المظلوم، وحماية الحقوق، واستعادة الأرض، وعودة أهلها إلى ديارهم.
فالإيمان حضور، والعبادة مسؤولية، وخدمة الإنسان طريق إلى الله، والدفاع عن الحق والكرامة والوطن من أسمى صور الالتزام الأخلاقي والإنساني.

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني