بقلم: سعيد فارس السعيد
تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، وما رافقها من إعلان التبرع بمبلغ عشرة ملايين دولار، موزعة بالتساوي بين العتبة الزينبية المقدسة والجامع الأموي الكبير، أهمية تتجاوز البعد المالي أو الطابع البروتوكولي؛
فهي تحمل دلالات دينية ووطنية وسياسية، وتبعث برسالة واضحة عن أهمية حماية المقدسات وتعزيز الروابط التاريخية بين العراق وسورية.
وإن تخصيص خمسة ملايين دولار للعتبة الزينبية المقدسة، وخمسة ملايين دولار للجامع الأموي الكبير، يعكس حرصًا على التعامل المتوازن مع معالم دينية تحظى بمكانة عميقة في وجدان المسلمين، ويؤكد أن رعاية المقدسات يمكن أن تكون جسرًا للتقارب والتفاهم، لا مدخلًا للمنافسة أو الانقسام.
فالعتبة الزينبية في دمشق ليست مجرد مقام ديني، بل هي مركز روحي وتاريخي يرتبط بسيرة السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، ويحمل في ذاكرة المؤمنين معاني الصبر والثبات والكرامة.
وقد أصبحت هذه العتبة على مدى قرون مقصدًا للزائرين من سورية والعراق وبلدان أخرى، بما يعكس عمق الصلات الروحية والاجتماعية بين الشعوب.
وفي المقابل، يمثل الجامع الأموي الكبير أحد أبرز المعالم الدينية والحضارية في العالم الإسلامي، بما يحمله من تاريخ طويل ومكانة بارزة في ذاكرة دمشق.
ويضم الجامع مقامًا منسوبًا إلى النبي يحيى عليه السلام، الذي يحظى بمكانة في الإسلام والمسيحية، كما يقع ضريح صلاح الدين الأيوبي في محيطه، بما يربط المكان بصفحات مهمة من تاريخ المنطقة.
وتتصل بهذه الرمزية أيضًا الروايات التاريخية والدينية المتعلقة برأس الإمام الحسين بن علي، عليه السلام، وما ارتبط بدمشق من أحداث أعقبت واقعة كربلاء.
وقد تعددت الروايات بشأن موضع الرأس ومسار نقله وصولًا إلى كربلاء، ولذلك ينبغي تناول هذه المسألة باحترام لمكانتها الدينية، مع التمييز بين ما تثبته المصادر التاريخية وما تختلف في روايته.
إن الجمع بين العتبة الزينبية والجامع الأموي في مبادرة واحدة، وبمبلغ متساوٍ، يحمل دلالة مهمة؛
____ فدمشق مدينة تتداخل فيها الذاكرة الإسلامية بمختلف تجلياتها، وتحتضن معالم تعني شرائح واسعة من المسلمين، على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الدينية. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه المواقع وصونها مسؤولية حضارية ووطنية تتجاوز الاعتبارات الضيقة.
ولا ينبغي النظر إلى التساوي في التبرع باعتباره مجرد توزيع للأموال، بل يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن مبدأ احترام الرموز الدينية وعدم تحويلها إلى أدوات للتنافس السياسي أو المذهبي. فالمقدسات، بما تمثله من قيم روحية وتاريخية، ينبغي أن تكون مساحة جامعة، وأن تسهم رعايتها في ترسيخ الاحترام المتبادل وتعزيز ثقافة المواطنة والتعايش.
السياحة الدينية رافعة للاقتصاد الوطني
لا تقتصر أهمية العتبة الزينبية والجامع الأموي على مكانتهما الدينية والتاريخية، بل تمتد إلى دورهما المحتمل في تنشيط السياحة الدينية، التي يمكن أن تشكّل رافعة مهمة لدعم الاقتصاد الوطني السوري، وتوفير فرص العمل، وتحريك قطاعات اقتصادية واسعة.
فسورية تمتلك مقومات استثنائية لتكون وجهة رئيسية للسياحة الدينية والثقافية، بما تحتضنه من مقامات ومساجد وكنائس وأضرحة ومواقع تاريخية تستقطب الزائرين من مختلف دول العالم. ويمكن للاستثمار المنظم في هذه المقومات أن يسهم في استعادة الحركة السياحية، وتعزيز الإيرادات، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتنشيط الأسواق المحلية.
إن عودة أعداد كبيرة من الزائرين، ولا سيما من العراق وإيران ولبنان ودول الخليج وغيرها، من شأنها أن تنعكس مباشرة على قطاع الفنادق والإقامة، والمطاعم، ووسائل النقل، والمكاتب السياحية، والأسواق التجارية، والحرف التقليدية. فالسائح الديني لا يقتصر إنفاقه على زيارة المقام أو المسجد، بل تشمل رحلته الإقامة والطعام والتنقل وشراء المنتجات والهدايا، فضلًا عن الاستفادة من الخدمات المختلفة.
ومن هنا، فإن تنشيط السياحة الدينية يمكن أن يدعم تشغيل مئات الفنادق والمنشآت السياحية والتجارية، ويوفر فرص عمل لعشرات الآلاف من العاملين في قطاعات الضيافة والنقل والخدمات والتجارة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، متى توافرت الظروف الأمنية والخدمية المناسبة، ووُضعت خطط واقعية لاستعادة حركة الزوار وتطوير البنية التحتية.
كما أن تنشيط حركة التسوق في دمشق ومحيط المواقع الدينية يتيح للتجار وأصحاب المحال والأسواق الشعبية والحرفيين فرصة استعادة نشاطهم، ويزيد الطلب على المنتجات المحلية، ويسهم في دوران الأموال داخل الاقتصاد الوطني. وتنعكس هذه الحركة بدورها على قطاعات أخرى، من الإنتاج الغذائي إلى النقل والخدمات اللوجستية، بما يوسّع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي.
لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب أكثر من ترميم المواقع الدينية؛ فهو يحتاج إلى تطوير المطارات ووسائل النقل والطرق، وتحسين الخدمات الفندقية والصحية، وتسهيل إجراءات الدخول والإقامة، وتعزيز الأمن، وتوفير بيئة استثمارية مشجعة، إلى جانب إعداد برامج سياحية متكاملة تجمع بين الزيارة الدينية والتعرف إلى المعالم التاريخية والثقافية والأسواق التقليدية.
ومن الضروري أيضًا أن تتوافر إدارة شفافة للموارد، وتنسيق فعّال بين الجهات الرسمية والمرجعيات الدينية والقطاع الخاص، حتى تتحول السياحة الدينية إلى نشاط اقتصادي مستدام، وتصل عائداتها إلى المجتمعات المحلية، بدل أن تقتصر على نطاق محدود.
وعلى المستوى السياسي، تأتي هذه المبادرة في سياق أهمية إعادة بناء العلاقات العراقية السورية على أسس المصالح المشتركة، والتعاون الاقتصادي والثقافي، واحترام خصوصية البلدين وسيادتهما. فالعلاقات بين بغداد ودمشق لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل تستند أيضًا إلى تاريخ متداخل وروابط اجتماعية ودينية وثقافية عميقة.
ومن شأن الاهتمام بالمواقع الدينية والتاريخية أن يفتح المجال أمام تعاون أوسع في صيانة التراث، وتطوير الخدمات المقدمة للزائرين، وتنشيط السياحة الدينية والثقافية، بما ينعكس إيجابًا على المجتمعات المحلية، ويوفر فرصًا اقتصادية، ويحمي المعالم التاريخية من الإهمال والتدهور.
غير أن القيمة الحقيقية لأي مبادرة من هذا النوع لا تتوقف عند إعلان التبرع، بل ترتبط بكيفية تنفيذه، وشفافية إدارة الأموال، وتوجيهها إلى أعمال الترميم والصيانة والخدمات وفق احتياجات كل موقع، وبما يحفظ طابعه الديني والتاريخي.
إن دمشق، بما تحتضنه من العتبة الزينبية والجامع الأموي ومقام النبي يحيى وضريح صلاح الدين، تقدم صورة مكثفة عن تاريخ المنطقة وتنوع ذاكرتها الدينية والحضارية. وهذه الصورة تستحق أن تكون مدخلًا لتعزيز الوحدة الوطنية، وحماية التعدد، وإبعاد المقدسات عن خطاب الكراهية والتحريض.
إن الرسالة الأهم في هذه المبادرة هي أن احترام المقدسات لا يتجزأ، وأن حماية التراث الديني والحضاري مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في هذه المعالم يمكن أن يجمع بين صون الهوية التاريخية وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل.
فحين تتحول رعاية المقدسات إلى عمل متوازن ومسؤول، وتُستثمر مقومات السياحة الدينية ضمن رؤية وطنية واضحة، تصبح هذه المواقع جسورًا للتواصل بين الشعوب، ومصدرًا للدخل وفرص العمل، ورافعةً للتعافي الاقتصادي والاستقرار، وتغدو الذاكرة الدينية المشتركة عاملًا للتقارب والبناء، لا سببًا للخلاف والانقسام.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
28 تشرين الأول 2026