مقالات خاصة

من اتفاق مكة إلى المظلة الأمنية الإقليمية… رؤية سبقت التطورات الراهنة

 

كتب: سعيد فارس السعيد

    ٢٦/ ١٠ / ٢٠٢٦

 

منذ ولادة فكرة اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، وتوقيع الاتفاق، تحدثت عن ضرورة توسيع هذا المسار ليشمل إيران، ثم العراق وسورية، انطلاقاً من قناعتي بأن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يتحققا من خلال محاور متقابلة، بل عبر تفاهمات إقليمية تجمع الدول المؤثرة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول.

 

ولقد أكدنا منذ البداية أن أمن المنطقة واستقرارها يجب أن يكونا مسؤولية دولها، وأن حماية المصالح المشتركة لا تتحقق من خلال التدخلات الخارجية أو عزل الدول الإقليمية، وإنما بالحوار والتفاهم وبناء منظومة أمنية تحترم استقلال القرار الوطني لكل دولة.

 

يومها، كان كثيرون بين مندهش من الفكرة، ومن يستبعد إمكان تحولها إلى واقع سياسي، بسبب الخلافات والتباينات بين دول المنطقة.

 

____لكننا كنا نرى أن المصالح الاستراتيجية المشتركة، ومخاطر الحروب والتوسع والاضطراب، تفرض على دول المنطقة البحث عن صيغ جديدة للتفاهم والتعاون، تتجاوز الحسابات الضيقة وتؤسس لمستقبل أكثر استقراراً.

 

ومن كل رجال الدين والسياسة ورجال الفكر والتحليل السياسي الاستراتيجي بالمنطقة 

كان صوتا عربيا واسلاميا متميزا صدح من قلب بيروت والضاحية ومن المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى ..

 

 

_____الشيخ علي الخطيب… 

دعوة واضحة إلى مظلة أمنية إقليمية.

 

وفي سياق يتقاطع مع هذه الرؤية، جاءت مواقف سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، لتؤكد أهمية بناء تفاهمات إقليمية تحمي دول المنطقة ومصالح شعوبها.

 

ففي خطبة الجمعة بتاريخ 7 آب/أغسطس 2026، دعا الشيخ الخطيب إلى تشكيل مظلة سياسية وأمنية إقليمية، والتنسيق مع إيران، محذراً من مخاطر استفراد الدول واحدة تلو الأخرى.

وقال سماحته حرفياً، وفق النص المنشور لخطبة الجمعة:

«دعونا الدول العربية والإسلامية الفاعلة في المنطقة إلى تشكيل مظلة سياسية وأمنية رادعة، لا سيما السعودية ومصر وتركيا وسوريا، والتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا المجال، لمواجهة الأهداف الإسرائيلية. وننبه في هذا المجال من محاولات استفراد أي دولة من هذه الدول كما هي مستفردة إيران، ظناً من البعض أن ذلك يخدم مصالحه».

إن هذا الموقف يعبّر بوضوح عن أهمية التنسيق بين القوى الإقليمية، وعن خطورة الاعتقاد بأن استهداف دولة أو عزلها يمكن أن يحقق الأمن والاستقرار لبقية الدول.

فأمن المنطقة مترابط، وأي خلل في توازناتها ينعكس على دولها جميعاً، الأمر الذي يجعل الحوار والتفاهم ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي.

21 آب/أغسطس 2026… اتفاق مكة بوابة لتوسيع التعاون

وفي خطبة الجمعة بتاريخ 21 آب/أغسطس 2026، عاد الشيخ الخطيب إلى الفكرة نفسها، رابطاً بين اتفاق مكة وإمكان قيام مظلة أمنية إقليمية أوسع، وداعياً إلى انضمام دول أخرى، وفي مقدمتها إيران.

وقال سماحته حرفياً:

«ونرجو أن يكون اتفاق مكة الأخير فاتحة لهذه المظلة، ونأمل أن تنضم إليه بقية الدول بما فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شريطة أن تكون أهدافه واضحة في هذا المجال».

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لأنها تضع توسيع التعاون الإقليمي في إطار أهداف واضحة، وتؤكد أن نجاح أي تفاهم أمني لا يتوقف على عدد الدول المشاركة فيه، بل على طبيعة أهدافه، ومدى احترامه لسيادة الدول، وقدرته على حماية مصالحها ومنع الاعتداءات والتدخلات.

وهنا يبرز التقاطع بين دعوتنا إلى ضم إيران ثم العراق وسورية إلى مسار اتفاق مكة، وبين دعوة الشيخ الخطيب إلى مظلة سياسية وأمنية إقليمية تشمل القوى الفاعلة، مع التنسيق مع إيران.

إنها رؤى تتلاقى في جوهرها عند مبدأ أساسي: لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام من خلال استبعاد دول المنطقة أو تركها عرضة للاستفراد والضغوط.

الاجتماع الرباعي… من الفكرة إلى اختبار الإمكانات

أما اليوم، فإن الإعلان عن اجتماع رباعي يضم السعودية وتركيا وباكستان وإيران يفتح المجال أمام نقاش جدي بشأن إمكانات تطوير التعاون الإقليمي، والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.

ولا يعني انعقاد الاجتماع أن منظومة أمنية متكاملة قد تشكلت بالفعل، أو أن الخلافات بين الدول الأربع قد انتهت، لكنه يمثل فرصة لاختبار إمكان بناء تفاهمات جديدة على أساس المصالح المشتركة.

وتبقى الخطوة التالية، في تقديرنا، فتح الباب أمام العراق وسورية للانضمام إلى هذا المسار، بما يعزز التكامل الجغرافي والسياسي والاقتصادي، ويمنح دول المشرق العربي موقعاً فاعلاً في صياغة مستقبل المنطقة.

فالعراق وسورية ليسا تفصيلاً هامشياً في معادلة الأمن الإقليمي؛ بل إن استقرارهما يرتبط مباشرة باستقرار الخليج وتركيا وبلاد الشام، وبأمن لبنان وفلسطين، وبالتوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن إشراكهما في أي مسار إقليمي جاد ينبغي أن يقوم على احترام سيادتهما، ودعم استقرارهما، وتعزيز قدرتهما على اتخاذ قراراتهما الوطنية المستقلة.

المطلوب ليس محوراً جديداً… بل أمن مشترك

إن ما دعونا إليه لم يكن مجرد توسيع لتحالف سياسي أو عسكري، بل سعياً إلى بناء مساحة مشتركة للحوار والتعاون، تنتقل فيها دول المنطقة من إدارة الخلافات والصراعات إلى معالجة أسبابها، ومن الارتهان لتوازنات المحاور إلى امتلاك زمام المبادرة في تقرير مستقبلها.

ولا يمكن لهذه الرؤية أن تنجح إذا تحولت إلى أداة لمحاصرة دولة أو فرض إرادة دولة أخرى عليها. فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكمها هو احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض الاعتداءات والتوسع، وتسوية الخلافات بالحوار والوسائل السياسية والقانونية.

كما أن الحفاظ على مصالح الجميع لا يعني تجاهل الخلافات الحقيقية، بل إيجاد آليات عملية لإدارتها ومنع تحولها إلى حروب وصراعات مفتوحة.

 

إن مسؤولية القوى الإقليمية اليوم أن تتقدم نحو تفاهمات واضحة، تتضمن ضمانات متبادلة، وتعاوناً سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وآليات لمنع التصعيد وحل النزاعات.

 

--من مكة يبدأ مسار السلام الإقليمي.

 

لقد قلنا منذ البداية إن سلام المنطقة لا يُبنى بتغليب دولة على أخرى، ولا بإقامة محور في مواجهة محور، بل بتلاقي إرادات دولها على قواعد الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

واليوم، ومع بروز هذا الاجتماع الرباعي، تتجدد أهمية السؤال الذي طرحناه منذ وقت مبكر: 

【هل تستطيع دول المنطقة تحويل التفاهمات السياسية إلى منظومة تعاون تحمي أمنها، وتصون سيادتها، وتحدّ من التدخلات الخارجية؟】

 

إن الطريق لا يزال طويلاً، والنجاح يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وحوار جاد، وخطوات عملية قابلة للتنفيذ. لكن توسيع دائرة الحوار ليشمل إيران، ثم العراق وسورية، يمثل اتجاهاً يستحق العمل من أجله.

 

إن مستقبل الشرق ينبغي أن تصنعه إرادات أبنائه، وأمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية دولها، وسلام شعوبها لا يتحقق إلا بتعاونها واحترام سيادتها ومصالحها المشتركة.

بدون اية تدخلات خارجية ، وبدون فرض قرارات وتدخلات قوى الهيمنة والشر والعدوان .

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

26 تشرين الأول/أكتوبر 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي