مقالات خاصة

العلامة والمفكر الشيخ علي الخطيب… مواقف وطنية ورؤية استراتيجية في زمن التحولات

 

 

من الجنوب والمقاومة والسيادة الوطنية، إلى اتفاق الطائف والحوار الداخلي، ووحدة اللبنانيين، والدور العربي والإسلامي والدولي للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

 

بقلم أسرة تحرير مجلة «الكلمة والحياة»

 

مقدمة: 

خطاب يتجاوز حدود المنبر

 

في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة، تتداخل الاعتداءات الإسرائيلية والضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وتكتسب مواقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، أهمية سياسية ووطنية تتجاوز حدود الخطاب الديني، لتتناول مستقبل الدولة، وحماية الجنوب، وملف السلاح، والمفاوضات، والسلم الأهلي، وحقوق المواطنين، وموقع لبنان في محيطه العربي والإسلامي والدولي.

وتكشف مواقفه المنشورة خلال الأشهر الأخيرة عن مجموعة من الثوابت المترابطة: رفض الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ورفض نزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال وغياب الحماية الكافية، والدعوة إلى تطبيق اتفاق الطائف وبناء دولة تحفظ كرامة اللبنانيين، والتحذير من الفتنة والانقسام، ومطالبة السلطة بالاهتمام بأوضاع الناس، إلى جانب توسيع التواصل الدبلوماسي والديني مع الجهات العربية والإسلامية والدولية.

وتتطلب قراءة هذه المواقف التمييز بين ما أعلنه الشيخ الخطيب صراحة، وما يمكن استخلاصه من دلالاته السياسية والاستراتيجية؛ فالمعيار الحقيقي لأي خطاب وطني هو مدى وضوح ثوابته، وقدرته على الإسهام في حماية الإنسان والأرض، وتحويل المواقف إلى نتائج ملموسة.

أولاً: الجنوب اللبناني… السيادة والانسحاب وعودة الأهالي

يحتل الجنوب موقعاً مركزياً في مواقف الشيخ الخطيب، الذي يرفض أن تتحول معاناة أهله إلى ملف ثانوي في الحسابات السياسية أو إلى ورقة تفاوضية لا تنتهي.

وفي مواقفه المعلنة، طالب بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم ومنازلهم، والبدء بإعادة الإعمار، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، مؤكداً أن حماية الأرض والسكان هي الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه أي معالجة وطنية.

وفي السابع من أيلول/سبتمبر 2026، رفض تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية لدى الفريق الإسرائيلي الحاكم، وانتقد غياب موقف عربي ودولي رادع للاعتداءات، كما تحفظ على استمرار الرهان على المفاوضات بوصفها الخيار الوحيد، بعدما لم تمنع الجولات السابقة استمرار الاعتداءات والتدمير.

وتحمل هذه المواقف رسالة واضحة: لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام فيما تستمر الاعتداءات، ويُحرم السكان من العودة الآمنة، وتبقى بلداتهم وممتلكاتهم عرضة للتدمير.

ومن هنا، فإن أولوية الجنوب ينبغي أن تشمل وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة المهجرين، وإعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، وتأمين الحماية الفعلية للمدنيين. وهذه ليست مطالب تخص فئة بعينها، بل حقوق وطنية تمس سيادة لبنان وكرامة أبنائه جميعاً.

 

ثانياً:

 السلاح والمقاومة…

 

 ربط المعالجة بقدرة الدولة على الحماية

يتناول الشيخ الخطيب ملف السلاح انطلاقاً من الظروف التي نشأت فيها المقاومة، وفي مقدمتها الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وما تعرض له أبناء الجنوب من تهديدات دفعتهم إلى الدفاع عن أرضهم ومنازلهم.

وفي لقائه السفير المصري تميم خلاف في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أكد أن المقاومة نشأت في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وأنه ليس من المنطقي المطالبة بتسليم السلاح مع استمرار الاحتلال والاعتداءات وعجز الدولة عن حماية المواطنين.

وقال في موق يختصر رؤيته لهذه المسألة: «نحن لسنا متمسكين بالسلاح ولكن نريد دولة تحمينا وتحمي أهلنا وشعبنا، عندها فليكن السلاح بأمرة الدولة».

وفي لقائه السفير الفرنسي باتريك دوريل في 29 أيلول/سبتمبر، استحضر تجربة المقاومة الفرنسية خلال الاحتلال النازي، معتبراً أن نزع سلاح المقاومة في ظل الاحتلال أمر غير طبيعي، وأن البحث في هذا الملف ينبغي أن يرتبط بإنهاء الاحتلال وقيام الدولة القادرة على الحماية.

ولا ينحصر جوهر موقفه في الدفاع عن السلاح باعتباره غاية مستقلة، بل في رفض فصل مسألة السلاح عن واقع الاحتلال والضمانات الأمنية والسيادة الوطنية. وفي المقابل، يضع بناء الدولة القادرة على حماية مواطنيها في صلب أي معالجة مستقبلية.

وهنا تبرز الحاجة إلى حوار وطني مسؤول يحدد استراتيجية الدفاع عن لبنان، ويعزز قدرات الجيش والمؤسسات الرسمية، ويضمن حماية الأرض والسكان، بعيداً عن الإملاءات الخارجية أو محاولات فرض حلول لا تراعي الظروف اللبنانية.

 

ثالثاً:

 المفاوضات مع إسرائيل ورفض الإملاءات الأميركية

في خطبة الجمعة بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، استغرب الشيخ الخطيب إصرار السلطة اللبنانية على مواصلة المفاوضات مع إسرائيل رغم ما وصفه بالفشل المتواصل للجولات السابقة.

وأشار إلى عاملين أساسيين في تقديره: إصرار الجانب الإسرائيلي على نزع سلاح المقاومة قبل تقديم خطوات مقابلة، وعدم استعداد الحكومة الإسرائيلية، بحسب قراءته، لتقديم تنازلات قبل الانتخابات، في ظل غياب ضغط أميركي كافٍ عليها.

وانتقد الخضوع للإملاءات الأميركية، معتبراً أن استمرار المفاوضات من دون نتائج واضحة يهدد بإضاعة الوقت، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى معالجة أوضاعها الاجتماعية والمعيشية.

كما دعا إلى عدم المراهنة على الولايات المتحدة بوصفها الطرف القادر وحده على فرض الحلول، وربط موقفه من الضغوط الخارجية بضرورة الحفاظ على الثقة والإرادة الوطنية.

ولا تعني هذه المواقف أن الحوار السياسي والدبلوماسي لا قيمة له، بل تطرح سؤالاً أساسياً عن جدواه وشروطه: هل يؤدي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب وضمان الحقوق اللبنانية، أم يبقى مساراً مفتوحاً لا يحقق نتائج متوازنة؟

فالتفاوض الناجح لا يُقاس بعدد الجولات، بل بقدرته على حماية الأرض والسكان، واستعادة الحقوق، ومنع تجدد الحرب. ومن هنا، تبرز أهمية وجود موقف لبناني واضح وموحد، وأهداف محددة، ومتابعة عملية لنتائج أي مسار تفاوضي.

رابعاً: اتفاق الطائف وبناء الدولة والحوار الوطني

يؤكد الشيخ الخطيب ضرورة تطبيق اتفاق الطائف، وتحسين العلاقات بين اللبنانيين، وبناء دولة تحفظ كرامة المواطنين وتحميهم، بدلاً من إبقاء الملفات الوطنية الكبرى رهينة الانقسام السياسي.

وفي لقائه السفير المصري، دعا إلى عقد مؤتمر للحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية جوزاف عون، بهدف التوافق على رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة.

وتحمل هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل الخلافات حول السلاح، والاستراتيجية الدفاعية، والعلاقة بين الدولة والمقاومة، ومستقبل النظام السياسي.

فالحوار الوطني المطلوب ينبغي ألا يكون مناسبة شكلية لتبادل المواقف، بل مساراً مسؤولاً يعالج الملفات الخلافية، ويحدد أولويات الدولة، ويعزز المؤسسات الدستورية، ويضمن الشراكة بين اللبنانيين.

كما أن تطبيق اتفاق الطائف يتطلب الالتزام بمقتضياته بروح متوازنة، بعيداً عن الانتقائية أو استخدام النصوص لخدمة مصالح فئوية. فالدولة التي تحفظ كرامة مواطنيها هي التي تطبق القانون على الجميع، وتضمن الحقوق والواجبات، وتحمي التوازن الوطني، ولا تسمح بتهميش أي مكوّن أو دفعه إلى الشعور بأنه خارج مؤسساتها.

إن قوة الدولة لا تقوم على الغلبة، بل على العدالة والقدرة على الحماية والمساواة أمام القانون.

خامساً: السلم الأهلي ووحدة اللبنانيين ورفض الفتنة

يحتل السلم الأهلي موقعاً أساسياً في خطاب الشيخ الخطيب. ففي مواقفه الأخيرة، حذر من تعريض أي طائفة للخطر، معتبراً أن ذلك قد يفتح الباب أمام تعريض سائر الطوائف للخطر، بما يهدد الاستقرار الداخلي ويقود إلى الفتنة.

وفي 23 تشرين الأول/أكتوبر، أكد أنه لا يريد أن تتحول الخلافات إلى فتنة، مشدداً على أن الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية وطنية مشتركة.

وتعكس هذه الرؤية إدراكاً لحساسية التركيبة اللبنانية، ولخطورة تحويل الخلاف السياسي إلى صراع اجتماعي أو طائفي. فلبنان لا يحتمل جولات جديدة من الانقسام الداخلي، ولا يمكن بناء دولة مستقرة على حساب أمن أي فئة أو كرامتها.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية حماية وحدة المجتمع الشيعي نفسه، وتعزيز التواصل بين مختلف مكوناته وقواه، ومنع الخلافات السياسية من التحول إلى خصومات اجتماعية تهدد التماسك الداخلي.

ولا تعني الوحدة إلغاء الاختلاف أو مصادرة حق النقد، بل تعني إدارة الخلاف بالحوار، وتغليب المصلحة العامة، ورفض التحريض، وعدم السماح للخلافات الداخلية بأن تصبح مدخلاً للتدخلات الخارجية.

إن السلم الأهلي ليس مجرد شعار، بل شرط أساسي لحماية لبنان ومؤسساته، وضمان قدرة اللبنانيين على مواجهة الاعتداءات والأزمات.

 

سادساً:

 المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى… مؤسسة جامعة ومسؤولية وطنية

لا يمكن فهم مواقف الشيخ الخطيب بمعزل عن الدور التاريخي للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي ارتبط تأسيسه بالإمام السيد موسى الصدر عام 1967، وبفكرة توفير إطار مؤسسي يجمع أبناء الطائفة الإسلامية الشيعية، ويدافع عن حقوقهم، ويعزز حضورهم الوطني.

ولا يقتصر دور المجلس على الشؤون الدينية أو الاجتماعية والإغاثية، بل يمتد إلى المشاركة في الحوار الوطني، ومتابعة قضايا المواطنين، وصون التماسك الداخلي، وبناء علاقات مع بقية المكونات اللبنانية، والانفتاح على المحيط العربي والإسلامي والدولي.

وتبرز أهمية هذا الدور في المرحلة الراهنة، حيث تتزايد الحاجة إلى مؤسسات جامعة تتيح التواصل بين مختلف الاتجاهات، وتستمع إلى الشباب والفعاليات الاجتماعية، وتتابع قضايا الناس بعيداً عن الاستقطاب.

وفي مقاله «وحدة الموقف الشيعي… مسؤولية وطنية ودور جامع للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، شدد الكاتب والباحث الاستراتيجي المستقل الأستاذ الدكتور سعيد فارس السعيد على أهمية حماية المجتمع من الانقسام، وتعزيز التكافل، وفتح قنوات الحوار، وتحويل وحدة الموقف إلى مسؤولية وطنية تسهم في استقرار لبنان.

إن قوة المجلس لا تُقاس فقط بمكانته الدينية، بل بقدرته على جمع أبنائه، ومتابعة حقوقهم، وتعزيز الشراكة مع سائر اللبنانيين، وترسيخ مفهوم المواطنة التي تجمع بين الخصوصية الدينية والانتماء الوطني الجامع.

سابعاً: الشؤون الاجتماعية والنازحون وكرامة المتضررين

في خطبته بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر، دعا الشيخ الخطيب السلطة إلى الاهتمام بالشأن الداخلي ومعيشة الناس والوضع الاجتماعي، بدلاً من إضاعة الوقت في مسارات سياسية لا تحقق نتائج واضحة.

ويكشف هذا الموقف عن اهتمامه بربط السياسة بحياة المواطنين اليومية، ولا سيما في ظل الأعباء التي خلفتها الحرب والنزوح والتدمير وفقدان مصادر الرزق.

وتشمل المسؤولية الاجتماعية تأمين المأوى والرعاية الصحية والتعليم، ومتابعة أوضاع الأسر الأشد فقراً، والأيتام والأرامل وذوي الإعاقة، ودعم المتضررين، والعمل على إعادة الإعمار وتسهيل عودة الأهالي إلى مناطقهم.

كما أن هذه المسؤولية لا يجوز أن تبقى محصورة في المبادرات الإغاثية المؤقتة، أو أن تتحول إلى أداة للتنافس السياسي، بل ينبغي أن تكون جزءاً من خطة وطنية تضمن العدالة في تقديم المساعدات، والشفافية في إدارتها، والكرامة في التعامل مع المستفيدين.

وفي لقائه السفير الأميركي ميشال عيسى في 8 أيلول/سبتمبر، دعا الشيخ الخطيب الإدارة الأميركية إلى العمل على رفع الحصار عن لبنان، ولا سيما ما يتعلق بإدخال المساعدات والأموال اللازمة لإغاثة النازحين وإيوائهم.

وهذا الربط بين السياسة والاحتياجات الإنسانية يؤكد أن حماية المجتمع لا تنفصل عن توفير مقومات الحياة الكريمة، وأن أي حل سياسي لا يراعي أوضاع الناس يظل ناقصاً مهما كانت عناوينه كبيرة.

 

ثامناً: 

الإيمان والثقة بالله في مواجهة الترهيب والتهويل

في خطبة الجمعة بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر، تناول الشيخ الخطيب أساليب الترهيب والتهويل التي قال إنها تستهدف معنويات الناس، داعياً إلى عدم الخوف وتعزيز الثقة بالله.

وجاء في موقفه أن الكثرة والقوة لا تضمنان النصر دائماً، في إشارة إلى أن موازين القوة المادية ليست وحدها العامل الحاسم في مصير الشعوب.

ويحمل هذا الخطاب بعداً إيمانياً ومعنوياً واضحاً، إذ يؤكد أهمية الثبات وعدم الاستسلام للخوف، والثقة بالله، والإخلاص له، والصبر في مواجهة المحن.

ومن المنظور الإيماني الذي يعبر عنه هذا الخطاب، فإن المال والقوة الاقتصادية والعسكرية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق النصر أو ضمان استقرار الشعوب، ما لم تقترن بالإرادة والثبات والعدالة ووحدة الصف وحسن التدبير.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية القوة المادية أو التخطيط، بل وضعهما ضمن رؤية أشمل تجمع بين الإيمان والعمل، وبين الثقة بالله والأخذ بالأسباب، وبين الصمود المعنوي والمسؤولية الواقعية.

فالإيمان الذي يمنح الناس القدرة على الثبات ينبغي أن يتحول إلى عمل وتضامن وحكمة، لا إلى اتكال أو تجاهل لمتطلبات الواقع.

تاسعاً: فلسطين ومسؤولية العرب والمسلمين

في لقائه السفير الفرنسي باتريك دوريل في 29 أيلول/سبتمبر، تناول الشيخ الخطيب العدوان الإسرائيلي على لبنان وغزة وإيران، ودعا إلى دور أوروبي يساعد على وقف الاعتداءات، كما عبّر عن أسفه لموقف الأمة العربية والإسلامية تجاه القضية الفلسطينية وما تشهده المنطقة.

وأكد أن المقاومة في لبنان دافعت عن العرب والمسلمين، وأن الشعبين اللبناني والفلسطيني دفعا أثماناً باهظة، مع التشديد على مواصلة التطلع إلى الأمام بالاعتماد على الله وسواعد الأبناء.

وتنطلق هذه المواقف من رؤية تعتبر أن قضية الجنوب اللبناني لا تنفصل عن محيطها العربي والإسلامي، وأن التضامن لا ينبغي أن يقتصر على البيانات، بل يجب أن يتجسد في مواقف سياسية وإنسانية واقتصادية تساعد على وقف العدوان، وحماية المدنيين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، ودعم حق الشعوب في أرضها وكرامتها.

وفي هذا السياق، تكتسب التحركات العربية والإسلامية التي قام بها الشيخ الخطيب أهمية إضافية، ولا سيما لقاءاته في العراق، حيث نقل صورة الأوضاع اللبنانية ومعاناة الجنوب إلى القيادات السياسية والدينية، داعياً إلى موقف عربي وإسلامي أكثر فاعلية.

وفي مقاله «من بغداد إلى النجف… العلامة الخطيب ينقل وجع الجنوب إلى العراق»، عرض الأستاذ الدكتور سعيد فارس السعيد دلالات تلك التحركات، وما تحمله من دعوة إلى الانتقال من التضامن اللفظي إلى دعم سياسي وإنساني واقتصادي يساعد على عودة المهجرين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

عاشراً: الدبلوماسية والانفتاح على القوى الدولية والإقليمية

تظهر اللقاءات التي عقدها الشيخ الخطيب مع سفراء ومسؤولين دبلوماسيين اهتماماً بفتح قنوات تواصل متعددة، وشرح الموقف اللبناني، ولا سيما ما يتعلق بالجنوب والاعتداءات الإسرائيلية وملف السلاح ومستقبل الدولة.

ففي لقائه السفير الأميركي ميشال عيسى في 8 أيلول/سبتمبر، دعا إلى موقف أميركي عادل ومتوازن، وطالب بالضغط على إسرائيل لفتح الطريق أمام معالجة الأزمة، كما دعا إلى حوار وطني برعاية رئيس الجمهورية.

وفي لقائه السفير الفرنسي باتريك دوريل في 29 أيلول/سبتمبر، شدد على أهمية العلاقات بين لبنان وأوروبا، مؤكداً أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام بناء الدولة أو تطوير العلاقات، ودعا فرنسا وأوروبا إلى دعم لبنان في مواجهة الاحتلال والعدوان.

وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر، استقبل نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة والوفد المرافق له، وبحث معهم التطورات في لبنان والمنطقة، مقدماً عرضاً للواقع اللبناني، ولا سيما أوضاع الجنوب والطائفة الشيعية.

وفي 20 تشرين الأول/أكتوبر، بحث مع السفير المصري تميم خلاف التطورات اللبنانية والإقليمية والعلاقات بين البلدين، وتناول تطبيق اتفاق الطائف، وملف السلاح، والسلم الأهلي، والحوار الوطني.

وتعكس هذه اللقاءات توجهاً نحو التواصل مع أطراف دولية وإقليمية متعددة، من دون أن تلغي الحاجة إلى موقف لبناني مستقل وواضح يحفظ السيادة الوطنية.

غير أن قيمة الدبلوماسية لا تُقاس بعدد اللقاءات وحدها، بل بما يمكن أن تحققه من نتائج: وقف الاعتداءات، وتوفير الحماية للمدنيين، ودعم عودة الأهالي، وإعادة الإعمار، واحترام سيادة لبنان وقراره الوطني.

حادي عشر: الحوار بين الأديان وكرامة الإنسان

يتجلى البعد الإنساني في نشاط الشيخ الخطيب أيضاً في رسالته إلى قداسة البابا لاون الرابع عشر، التي هنأه فيها بسلامته بعد العملية الجراحية، متمنياً له الشفاء والصحة ومواصلة رسالته الروحية والإنسانية في خدمة الإنسان.

وتضمنت الرسالة معاني المحبة والتسامح والأخوة بين الشعوب، والتقريب بين الأديان والثقافات، وصون كرامة الإنسان، في عالم يشهد الحروب والآلام والمعاناة.

وتتجاوز أهمية هذا التواصل حدود المجاملة الدينية، لتؤكد الدور الذي يمكن أن تؤديه المرجعيات والمؤسسات الروحية في تعزيز ثقافة الحوار، ومواجهة التعصب والكراهية، وبناء جسور الثقة بين المجتمعات.

وفي بلد مثل لبنان، يقوم على التنوع الديني والثقافي، تكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة، لأن حماية التعدد لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بتحويله إلى مساحة للتعاون، والاحترام المتبادل، والعمل المشترك من أجل السلام.

ثاني عشر: 

الرؤية الاستراتيجية ومعيار النتائج

تجمع مواقف الشيخ علي الخطيب بين ملفات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها مترابطة في مضمونها: حماية الجنوب، ورفض الاحتلال والاعتداءات، وربط معالجة السلاح بقدرة الدولة على الحماية، والتحفظ على المفاوضات غير المجدية، وتطبيق اتفاق الطائف، والحوار الوطني، والسلم الأهلي، والحقوق الاجتماعية، والانفتاح العربي والإسلامي والدولي.

ويظهر في هذه المواقف تصور يقوم على أن حماية لبنان لا تتحقق بمعالجة ملف واحد بمعزل عن بقية الملفات، بل من خلال رؤية متكاملة تجمع بين السيادة، والدفاع، والدولة القادرة، والعدالة الاجتماعية، والتماسك الداخلي.

لكن الرؤية الاستراتيجية لا تُقاس فقط بوضوح المواقف، بل أيضاً بقدرتها على الانتقال إلى نتائج عملية. فحماية الجنوب تتطلب وقف الاعتداءات والانسحاب وعودة الأهالي. وبناء الدولة يتطلب مؤسسات قادرة وعادلة. والحوار الوطني يحتاج إلى أهداف واضحة وتفاهمات قابلة للتنفيذ. أما الاهتمام بالنازحين والمتضررين، فيقتضي آليات متابعة تضمن حقوقهم وكرامتهم.

وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن يؤديه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بوصفه مؤسسة جامعة، قادرة على الإسهام في الحوار، ومتابعة قضايا المجتمع، وتعزيز الشراكة الوطنية، والانفتاح على مختلف مكونات لبنان.

الخاتمة: لبنان يحتاج إلى دولة تحمي الجميع

تكشف مواقف العلامة الشيخ علي الخطيب عن اهتمام واضح بقضايا السيادة الوطنية، وحماية الجنوب، ومستقبل المقاومة والسلاح، وتطبيق اتفاق الطائف، ورفض الإملاءات الخارجية، والحفاظ على السلم الأهلي، ورعاية القضايا الإنسانية والاجتماعية، وتعزيز حضور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عربياً وإسلامياً ودولياً.

وتضع هذه المواقف أمام اللبنانيين مسؤولية مشتركة: تحويل النقاشات السياسية إلى حلول عملية، وتغليب الحوار على الانقسام، وحماية المواطنين من الاعتداءات، وضمان عودة النازحين والمهجرين، وإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والشراكة والقدرة على الحماية.

فلبنان لا يحتاج إلى انتصار فريق على فريق، ولا إلى دولة عاجزة عن حماية أرضها أو رعاية أبنائها، بل إلى دولة قوية وعادلة، تحترم الدستور، وتطبق القانون، وتصون كرامة جميع المواطنين، وتمنع تحويل الخلافات الداخلية إلى أبواب للفتنة والتدخل الخارجي.

كما أن قوة المجتمع لا تقوم على الانغلاق أو إلغاء الاختلاف، بل على التماسك والحوار والتضامن، وعلى مؤسسات دينية ووطنية تضع كرامة الإنسان والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

إن قوة لبنان الحقيقية تكمن في سيادته، ووحدة شعبه، وعدالة دولته، وكرامة مواطنيه، وقدرته على تحويل تنوعه إلى شراكة وطنية تحميه من الانقسام والضعف.

لبنان أولاً؛ وسيادته وكرامة أبنائه ووحدة شعبه مسؤولية وطنية مشتركة.

25 تشرين الأول/أكتوبر 2026

المصادر والمراجع

 

أولاً:

 مقالات ومنشورات الكاتب والباحث الاستراتيجي المستقل الأستاذ الدكتور سعيد فارس السعيد:

 

«من بغداد إلى النجف… العلامة الخطيب ينقل وجع الجنوب إلى العراق»

https://daamoption.org/essays.php?cid=378&id=13664

«العلامة الشيخ علي الخطيب… رجل فكر ورؤية في زمن الصراعات والتحوّلات»

https://www.daamoption.org/essays.php?cid=372&id=13797

«وحدة الموقف الشيعي… مسؤولية وطنية ودور جامع للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»

https://daamoption.org/essays.php?cid=378&id=13770

«خطبة الشيخ علي الخطيب وتحذير القرآن من استبدال الأمم التي تتخلى عن مسؤوليتها»

https://daamoption.org/essays.php?cid=378&id=13808

«الشيخ علي الخطيب يهنّئ البابا لاون الرابع عشر بسلامته… من رسالة إنسانية إلى آفاق الحوار بين الأديان»

https://daamoption.org/essays.php?cid=373&id=13845

«كلمةٌ عبّرت عن وجدان الناس وكرامتهم»

https://daamoption.org/essays.php?cid=372&id=13684

«وفد شبابي: لتعزيز دور المجلس ومواصلة حضوره الوطني والعربي والإسلامي والدولي»

https://daamoption.org/essays.php?cid=378&id=13789

 

ثانياً:

 تقارير إخبارية ومصادر مساندة

الوكالة الوطنية للإعلام، عبر ليبانون ديبايت: «من السلاح إلى الطائف… الخطيب يحدد رؤيته للمرحلة اللبنانية»، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

https://www.lebanondebate.com/article/890919

النشرة: «الخطيب: نستغرب إصرار السلطة اللبنانية على المضي في المفاوضات رغم فشلها والخضوع للإملاءات الأميركية»، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

https://www.elnashra.com/news/show/1805843

قناة المنار: «العلامة الخطيب أمام السفير الأميركي: يجب أن يكون الموقف الأميركي عادلاً ومتوازناً لمعالجة الأمور»، 8 أيلول/سبتمبر 2026.

https://www.almanartv.com.lb/article/1162822/

قناة المنار: «الشيخ الخطيب استقبل السفير الفرنسي: المقاومة الفرنسية لم تسلّم سلاحها خلال الاحتلال الألماني»، 29 أيلول/سبتمبر 2026.

https://almanartv.com.lb/article/1218792/

قناة المنار: «الشيخ الخطيب يستقبل وفداً إيرانياً ويبحث معه تطورات لبنان والمنطقة»، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

https://www.almanartv.com.lb/article/1261612/

قناة المنار: «الشيخ علي الخطيب يبحث مع السفير المصري المستجدات الإقليمية»، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

https://almanartv.com.lb/article/1280112/

قناة المنار: «العلامة الخطيب: نرفض تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية إسرائيلية وندعو إلى حوار وطني لإعداد رؤية جديدة لمواجهة المرحلة»، 7 أيلول/سبتمبر 2026.

https://manartv.com.lb/article/1158632/

قناة المنار: «العلامة الخطيب: لن نساوم على دماء شهدائنا ونريد انسحاباً كاملاً من أرضنا…»، 17 تموز/يوليو 2026.

https://www.almanartv.com.lb/article/1027442/

صحيفة شمس اليوم: «العلامة المفكر يضع قوة الله وقوة الإيمان بوجه العالم أجمع»،

بقلم سعيد فارس السعيد 

 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

https://shams-alyaoum.com/العلامة-المفكر-يضع-قوة-الله-وقوة-الإيمان/


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي